سراب “نيوم” والديون الكامنة خلف رؤية وليّ العهد
مشاهد خيالية من مشروع «ذا لاين» في نيوم السعودي، رؤية مستقبلية طموحة لم تُنفَّذ على أرض الواقع.**
**🔴**سراب “نيوم” والديون الكامنة خلف رؤية وليّ العهد**
عندما أعلن وليّ العهد السعودي **محمد بن سلمان** عن مشروع **نيوم** — تحويل الصحراء السعودية إلى مدينة مستقبلية فائقة التطور — بدا الأمر وكأنه فجر عهد جديد في السعودية: مملكة تنفصل عن النفط، تدخل عصر الحداثة، وتتفوق تكنولوجيًا وتنافس عالميًا. كانت **رؤية 2030** وعدًا بتحوّل جذري من دولة ريعية إلى قوة إنتاجية حديثة. لكنّ الأدلة المتراكمة تشير إلى قصة مختلفة: **إنفاق ضخم، عوائد متباطئة، ضغوط مالية متزايدة، مشاريع مؤجلة، وتشتّت إقليمي مكلف**.
**الأحلام تكلّف مالًا… ثم تكلّف أكثر** قُدّر مشروع نيوم في بدايته بنحو **500 مليار دولار**، لكن محللين وخبراء منذ البداية اعتبروا هذا الرقم أقل بكثير من الواقع. وتشير تقارير مستقلة إلى أن القيمة الإجمالية للمشاريع العقارية والبنى التحتية المرتبطة بـ”رؤية 2030” تجاوزت **تريليون دولار**. أما تحقيق صحيفة __فايننشال تايمز__، فقد خلص إلى أن العناصر الأساسية في مشروع نيوم — وعلى رأسها مشروع **ذا لاين** (The Line) — باتت خاضعة لمراجعات كبرى، وتضخّم في التكاليف، وتقليص في الطموحات. ومن أبرز ما كشفه التقرير: • تغييرات متكررة في قيادة المشروع، إذ تم استبدال المدير التنفيذي لـ”نيوم” وسط تصاعد الانتقادات. • إطلاق “مراجعة شاملة” لهيكل المشروع، ما يعني أن الافتراضات الهندسية والاقتصادية السابقة لم تعد قابلة للتطبيق ضمن الجدول الزمني الأصلي. • تقديرات خارجية تفيد بأن احتياجات الاقتراض والدين العام للمملكة قد تكون أعلى بكثير من الأرقام الرسمية؛ إذ توقّع صندوق النقد الدولي وصول الدين إلى نحو **44.5% من الناتج المحلي** بحلول عام 2029. • اعتمدت المملكة بشكل كبير على **الاقتراض الدولي** لتمويل رؤية 2030، حيث أصدرت نحو **50 مليار دولار** من السندات عام 2024 وحده.
**الوعود الداخلية التي لم تتحقق**
رغم وعود وليّ العهد بتحقيق رفاه اقتصادي متجدد للمواطنين، فإن المؤشرات الداخلية لا توحي بذلك. • تشير ميزانية عام 2025 إلى أن الدين العام يعادل نحو **29.9% من الناتج المحلي** (1.3 تريليون ريال سعودي)، لكن هذا الرقم لا يشمل الالتزامات غير المباشرة والمشاريع العملاقة الممولة بالديون. • وذكر صندوق النقد الدولي في تقريره أن العجز المالي المتوقع سيتم تمويله “أساسًا عبر الاقتراض، بما في ذلك إصدار الديون والقروض المشتركة والتمويل من وكالات ائتمان الصادرات”، ما سيرفع نسبة الدين إلى نحو **42% بحلول عام 2030**. • ويحذّر محللون اقتصاديون من أن وتيرة الاقتراض والإنفاق السريعة **غير مستدامة**.
**المغامرات الخارجية: النفوذ على حساب الإصلاح**
بينما تُنفِق المملكة مليارات الدولارات على مشاريعها المحلية، فهي أيضًا تُموِّل مغامرات خارجية مكلفة في **اليمن، لبنان، السودان**. • في اليمن، قدّمت السعودية أكثر من **368 مليون دولار** دعمًا جديدًا للحكومة في عدن في سبتمبر 2025، بعد أن كانت أودعت **مليار دولار** في البنك المركزي اليمني عام 2023. • في لبنان، أعادت الرياض فتح ملف **منحة الثلاثة مليارات دولار** للجيش اللبناني بهدف تعزيز نفوذها السياسي. • في السودان، تورّطت أموال خليجية — بينها السعودية — في تمويل أطراف متنازعة، ما ساهم في استمرار الحرب بدلاً من إنهائها. هذه ليست “مساعدات إنسانية” بريئة، بل **رهانات سياسية** في ساحات مضطربة — وغالبًا ما تكون نتائجها بعيدة عن الأهداف المعلنة.
**سياق الاستثمار السعودي-الأمريكي**
في مايو 2025، أصدرت إدارة الرئيس ترامب بيانًا أن السعودية التزمت باستثمار **تاريخي بقيمة 600 مليار دولار** في الولايات المتحدة، يضم استثمارات في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، البنى التحتية للطاقة، التكنولوجيا، والصناعات الدفاعية.
يُنظر إلى هذا الاتفاق على أنَّه ‘الأكبر في تاريخ العلاقات التجارية بين البلدين’. لكن هذا التزام خارجى ضخم يأتي بينما المملكة تُفاقم ديونها وتواجه صعوبات على أرضها، مما يطرح تساؤلات حول أولويات القيادة: إذا كانت المملكة تشيّع حرصها على ضخ استثمارات ضخمة في الخارج، بينما مشاريعها الجوهرية في الداخل متعثّرة، فما الذي تعكسه هذه التناقضات حول القدرة التنفيذية والحوكمة؟ • الاتفاق يشمل مبيعات دفاعية تزيد عن 142 مليار دولار، وتقنيات متقدمة، وشراكات في الطاقة والفضاء. • هذا التدفق الاستثماري الخارجي يعمّق اتصالات السعودية بالخارج، لكنه في نفس الوقت يبرز أن السعودية تحت قيادة محمد بن سلمان لا تكتفي بالتغيير الداخلي، بل تتوسّع خارجيًا، ما يزيد الضغط على موارد الدولة ونموذجها الإصلاحي.
**المظاهر في مواجهة الواقع**
بين “مدن المستقبل” و”منتجعات التزلّج في الصحراء” و”المدن الذكية”، تبدو الرؤية السعودية كحلم مستقبلي باهر — لكن خلف الواجهة هناك حقائق مالية مقلقة: • الدين العام تجاوز **354 مليار دولار**، أي نحو **30% من الناتج المحلي**.
• كثير من مشاريع “رؤية 2030” تمّ **تأجيلها أو تقليصها**، وعدد السكان المستهدفين في “ذا لاين” خُفِّض من **9 ملايين إلى أقل من 300 ألف**.
**غياب الحوكمة والمساءلة** لا تكمن المشكلة في الطموح، بل في **غياب التنفيذ المنضبط** والشفافية. تقرير __فايننشال تايمز__ يشير إلى أن فشل نيوم مردّه افتراضات هندسية غير واقعية، ضعف الحوكمة، وانخفاض مشاركة المستثمرين الدوليين. وحذّرت دراسات مالية منذ عام 2020 من تصاعد الدين العام السعودي وضرورة إنشاء آليات رقابة وإدارة مخاطر أكثر صرامة.
**التشتّت الإقليمي والتكلفة الاستراتيجية**
بين فشل التحوّل الداخلي والمغامرات الخارجية المكلفة، يبدو أن **الطموح الإقليمي لم يُترجم إلى نفوذ فعلي**، بل إلى نزيف مالي مستمر. صحيح أن الأدلة القانونية المباشرة على “تمويل الإرهاب” محدودة، إلا أن الوقائع تشير إلى **تدفق أموال سعودية نحو جماعات مسلّحة وفصائل غير مستقرة**، ما يزيد من تفكّك المنطقة ويُثقل كاهل المملكة سياسيًا واقتصاديًا.
**ما الذي ينتظر المملكة؟**
لا تزال المملكة تمتلك **قدرات مالية ضخمة** واحتياطيات قوية، لكن المسار مقلق: **ديون متزايدة، مشاريع مؤجلة، إنفاق خارجي متضخّم، وعوائد غامضة.** إذا استمرت أسعار النفط في التراجع أو تأخّرت المشاريع الكبرى، فإن المواطن السعودي هو من سيدفع الثمن في النهاية. لكي تتحقّق رؤية 2030 فعلًا، يجب أن تنتقل القيادة من **الاستعراض إلى الفعل** — من الخطاب الإعلاني إلى النتائج الملموسة. دون هذا التحوّل، سيبقى حلم نيوم **رمزًا لفشل الوعود** أكثر منه إنجازًا وطنيًا.
**نقد لقيادة محمد بن سلمان** 1. **وعود كبرى وتنفيذ ضعيف:** أطلق محمد بن سلمان وعودًا بتغيير وجه السعودية، لكن الواقع أظهر فجوة هائلة بين الطموح والتنفيذ. 2. **مركزية مفرطة وضعف المساءلة:** القرارات تتخذ من القمة دون رقابة مؤسسية حقيقية، مما يجعل النظام هشًا أمام الأخطاء. 3. **رمزية على حساب الواقعية:** السعي وراء مشاريع استعراضية باهظة في ظل تقلّب أسعار النفط يكشف غياب الحذر المالي. 4. **أولويات مشوّشة:** بينما تُنفق المليارات على مشاريع عملاقة، يظل المواطن ينتظر تحسّن المعيشة وفرص العمل. 5. **طموح خارجي مقابل فشل داخلي:** الانشغال بالهيمنة الإقليمية والاستثمارات الضخمة الخارجيّة يأتي على حساب التنمية الحقيقية داخل البلاد.
**الخلاصة**
كان من المفترض أن تكون **نيوم** عنوان مستقبل السعودية، لكنها تحولت إلى **مرآة تعكس إخفاق القيادة في تحقيق وعودها**. رؤية طموحة من الخارج، لكنها من الداخل تكشف عن أزمة تخطيط، غياب محاسبة، وديون متراكمة. محمد بن سلمان وعد بالمستقبل، ولكنه حتى الآن لم يقدّم سوى **حلمًا باهظ الثمن يتبخّر في صحراء نيوم
**🔵[Link to the article in English ](https://t.me/observer_5/195)