الضمّ غير الشرعي للجنوب اللبناني: جريمة ضد السيادة والإنسانية والقانون الدولي

🔴**الضمّ غير الشرعي للجنوب اللبناني: جريمة ضد السيادة والإنسانية والقانون الدولي**
لم يعد الصمت مقبولاً. فما يجري اليوم في الجنوب اللبناني ليس مجرد اشتباك حدودي، ولا عملية “أمنية” كما يدّعي المسؤولون الإسرائيليون بخبث، بل هو **ضمّ فعلي وغير قانوني**. جيش الاحتلال الإسرائيلي، مدعوماً بجماعات استيطانية متطرفة وشركات عسكرية خاصة، يعيد رسم حدود لبنان بالإسمنت والجرافات والدم.
قرب قرية **جال الدير**، تصدح الجرافات الإسرائيلية ليل نهار، تشق الأرض وتبني **جداراً محصّناً هائلاً** يمتدّ داخل الأراضي اللبنانية. هذا ليس مجرد سياج — بل **نصب استعماري من الخرسانة**، تجسيد مادي لسرقة الأرض تحت ذريعة “الأمن”. خلف هذا الجدار الوحشي جدار داخلي آخر وتحسينات هندسية من الأسمنت والتراب، جرى إعدادها على مدى سنوات لتكريس السيطرة الإسرائيلية على أراضٍ لبنانية وحرمان لبنان من سيادته.
والأدهى أن هذه الأعمال ليست من تنفيذ الجيش وحده، بل تقوم بها **شركات مدنية استيطانية إسرائيلية** مدعومة وممولة من **حركات يمينية متطرفة**. من أبرزها حركة **“أوري تصافون” (Uri Tzafon)** التي تأسست في مارس 2024، وتهدف علناً إلى **توطين اليهود في جنوب لبنان** باعتباره “أرضاً توراتية”. ومنذ منتصف عام 2024، بدأت هذه الحركة بنشاط بناء المستوطنات وبيع العقارات داخل الأراضي اللبنانية المحتلة — في انتهاك فاضح للقانون الدولي وسط صمت العالم.
من بين أبرز الشركات المتورطة **شركة برداريان براذرز (Bardarian Brothers)**، التي تربطها منذ سنوات عقود مع وزارة الدفاع الإسرائيلية. ووفقاً لتقرير __WhoProfits (2018)__، فقد جنت هذه الشركة أرباحاً ضخمة من بناء جدران الفصل العنصري والبنى التحتية العسكرية ومشاريع الاستيطان. وفي عامي 2024 و2025، توسعت أعمالها لتشمل الجنوب اللبناني، بهدف **تثبيت الاحتلال وترسيخ ضمٍّ غير قانوني لأرضٍ ليست لهم**.
لكن الاحتلال لا يكتفي بالجرافات والجدران، بل اتخذ بعداً **دينياً أيديولوجياً خطيراً** يعيد إلى الأذهان أبشع نماذج الاستعمار الديني. ففي **مارس 2025**، اقتحم مئات **اليهود الحسيديم** الأراضي اللبنانية تحت حماية جنود الاحتلال، لأداء الصلوات في ما وصفوه بـ”ضريح أحد الحاخامات”. لم تكن تلك زيارة دينية بل **إعلاناً سياسياً استفزازياً**. جهر المصلّون بأن “الأرض إسرائيلية بالحق الإلهي”، فيما كانت البنادق الإسرائيلية تحرسهم. هذه الطقوس الاستفزازية تُظهر الوجه الحقيقي لـ **التطرف الديني الذي يقود مشروع الضمّ والاحتلال**.
إن هذه الأفعال تمثّل **انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي**، وخصوصاً **القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي** في **11 آب/أغسطس 2006**، والذي يحظر أي وجود أو توسّع عسكري إسرائيلي في الجنوب اللبناني. وقد أدانت **اليونيفيل** وجهات أممية عديدة ما تقوم به إسرائيل من أعمال بناء واستيطان باعتبارها **خرقاً مباشراً للقرار 1701** وتهديداً خطيراً للسلم الإقليمي.
لكن الجريمة لا تقف هنا. ففي تطور صادم، بدأت **وكالات عقارية إسرائيلية** بعرض وبيع **قطع أراضٍ في الجنوب اللبناني وقطاع غزة** بشكل علني على الإنترنت. وكشفت تقارير __رؤيا نيوز (2024)__ و__بي بي سي (2025)__ عن قيام متطرفين ومضاربين إسرائيليين بالترويج لتلك الأراضي المسروقة كمشروعات استثمارية “واعدة” — في محاولة لتطبيع السرقة وتحويل الاحتلال إلى تجارة. إنها **خصخصة للعدوان**، وتحويل لجرائم الحرب إلى فرص اقتصادية.
ما تفعله إسرائيل اليوم لا ينتهك فقط سيادة لبنان، بل **يهدم أسس النظام الدولي نفسه**. كل جدار يُبنى، وكل صلاة تُقام تحت حراسة السلاح، وكل عقد بيع يُوقّع، هو طعنة في وجه القانون الدولي وحقوق الشعوب.
لنتحدث بوضوح: هذا **ليس حاجزاً أمنياً**، ولا **تعديل حدودياً مؤقتاً**، بل هو **جريمة مكتملة الأركان** — **ضمّ ممنهج لأرضٍ ذات سيادة**، تنفّذه آلة عسكرية، وتباركه جماعات دينية متطرفة، وتربحه شركات خاصة متورطة في الاحتلال.
إن ما يقوم به جيش الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب اللبناني — من جدار جال الدير إلى التلال الحدودية — هو نسخة مكررة من النموذج الاستعماري الإسرائيلي في الضفة الغربية وغزة: **ابنِ جداراً، ازرع مستوطناً، ادّعِ الحق الإلهي، وانتظر صمت العالم**.
لكن الصمت جريمة. فعلى **منظمات حقوق الإنسان والمحاكم الدولية** أن تتحرك الآن، لا غداً. يجب على **المحكمة الجنائية الدولية** فتح تحقيق فوري في **جرائم الحرب وأعمال الضمّ غير الشرعية** التي تمارسها إسرائيل. كما يجب على **الأمم المتحدة** أن تطبّق القرار 1701 بصرامة، وأن تفرض عقوبات على الشركات الإسرائيلية المتورطة في بناء الجدران والمستوطنات داخل الأراضي اللبنانية.
إن **سيادة لبنان ليست للمساومة**، وحدوده ليست للبيع، وشعبه لن يختفي خلف جدران يبنيها المحتلون والمتطرفون.
ما يحدث في الجنوب اللبناني ليس مأساة محلية — بل **اختبار أخلاقي للعالم بأسره**. فإذا عجز المجتمع الدولي عن وقف هذا الزحف الاستعماري اليوم، فلن يملك غداً أي شرعية للحديث عن حقوق الإنسان أو السلام أو العدالة.