حصان طروادة على نهر أراس: التحول العسكري في أذربيجان وتطويق محور المقاومة

🔴حصان طروادة على نهر أراس: التحول العسكري في أذربيجان وتطويق محور المقاومة
بينما تبقى أنظار العالم مشدودة إلى المشرق والبحر الأحمر، تتشكل بصمت في جنوب القوقاز تحوّلات خطيرة تنذر بعهد جديد من التهديدات. فدولة أذربيجان، التي كانت تُعتبر يوماً مجرد عقدة طاقة ما بعد سوفييتية، تتحوّل اليوم بسرعة إلى قاعدة عسكرية متقدمة تخدم القوى الساعية لتفكيك محور المقاومة.
تحت شعارات “تنويع مصادر الطاقة” و”حماية السيادة الإقليمية”، لا تقوم باكو بمجرد شراء الأسلحة، بل تبني القدرة الصناعية لخوض حرب طويلة الأمد. فالمصانع الجديدة للذخيرة، والمشاريع المشتركة مع شركات الدفاع الغربية والإسرائيلية، لا تُعنى بالدفاع الداخلي فقط، بل تؤسس لبنية تحتية عسكرية مرتبطة بالناتو، تتمركز مباشرة على الحدود الشمالية للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
**القبضة الحديدية والعلاقة الصهيونية**
القوة المحرّكة وراء عسكرة باكو هي التحالف غير المقدّس مع تل أبيب. فعلى مدى سنوات، اعتبر بعض المراقبين هذه العلاقة مجرد صفقة: نفط أذربيجاني من بحر قزوين مقابل تكنولوجيا عسكرية إسرائيلية متطورة. أما اليوم، فقد تحوّلت هذه العلاقة إلى تداخل استراتيجي خطير.
إسرائيل تستورد نحو 40% من احتياجاتها من النفط الخام من أذربيجان، وهو الوقود ذاته الذي يُشغّل الدبابات والطائرات التي تدمّر غزة ولبنان. وفي المقابل، حولت تل أبيب أذربيجان إلى ساحة اختبار وتصنيع لأسلحتها المتقدمة. مشاريع مشتركة مثل Caspian Meteor (شراكة مع شركات إسرائيلية) باتت تنتج الطائرات المسيّرة والذخائر الدقيقة على الأراضي الأذربيجانية نفسها.
لماذا تبني باكو مصانع بدلاً من شراء الصواريخ؟ الجواب هو العمق الاستراتيجي. فبإنشاء مجمع عسكري صناعي محلي، تؤسس تل أبيب مركزاً لوجستياً آمناً خارج مدى صواريخ المقاومة في المشرق، لكنه قريب بما يكفي لتنفيذ عمليات استخباراتية ومراقبة ضد البنى التحتية الإيرانية الحساسة. وقد تكررت التقارير حول استخدام مطارات أذربيجانية من قبل أجهزة استخبارات أجنبية لمراقبة وربما استهداف المنشآت النووية داخل إيران.
**المفارقة المذهبية: لماذا تتجه باكو غرباً؟**
لمن لا يعرف تاريخ المنطقة، تبدو أذربيجان لغزاً لاهوتياً: دولة ذات أغلبية شيعية لكنها ترفض القيم السياسية لمحور المقاومة. فخلافاً لشعوب العراق ولبنان واليمن التي تعتبر الإيمان حافزاً لمواجهة الهيمنة الإمبريالية، تبنّت النخبة الحاكمة في باكو علمانية متشددة ورثتها من الحقبة السوفييتية وعززتها رؤوس الأموال الغربية.
ترى إدارة علييف في الإسلام السياسي تهديداً وجودياً لحكمها الوراثي، لا إرثاً ثقافياً مشتركاً. ومن هنا، اختارت الاصطفاف مع الكتلة “الأورو-أطلسية”. عبر قمع الحركات الدينية (مثل حركة الحسينيون) ووصفها بأنها “أذرع إيرانية”، تبرر باكو إجراءاتها الأمنية الصارمة، وتبعث في الوقت نفسه إشارات ولاء إلى واشنطن وبروكسل. لقد باعت نخبتها روحها الجيوسياسية مقابل لقب “الشريك الموثوق” في مواجهة طهران وموسكو.
**ممرّ زنغزور: خنجر على الحدود**
أخطر ما يهدد استقرار المنطقة حالياً هو ما يسمى بـ ممر زنغزور. فبينما تروّج له باكو وأنقرة كطريق تجاري يربط أذربيجان الرئيسية بجيب ناخيتشيفان، يكشف جوهره الجيوسياسي أنه محاولة لقطع شريان التواصل بين إيران وأرمينيا.
إن تحقق المشروع، سيؤدي إلى عزل إيران عن البحر الأسود وروسيا، مكتملاً بذلك الطوق الأطلسي حول الجمهورية الإسلامية. إنها ليست بنية تحتية اقتصادية، بل حصار اقتصادي وسياسي مقنّع.
**تهديد للعمق الاستراتيجي**
هل تمثل أذربيجان تهديداً لإيران والعراق؟ الجغرافيا تجيب بنعم. بالنسبة لمحور المقاومة، تشكل أذربيجان جبهة شمالية تستنزف الانتباه والموارد.
عمليات استخباراتية: الحدود الأذربيجانية أصبحت ممراً مفتوحاً لعمليات الموساد، تسهّل تسلل فرق التخريب والاغتيال إلى داخل الأراضي الإيرانية. الانفصال كسلاح: المراكز البحثية الغربية والخبراء الإسرائيليون يثيرون باستمرار قضية “أذربيجان الجنوبية” (المحافظات الشمالية في إيران)، لتحريك النزعات الانفصالية وإضعاف وحدة إيران من الداخل. جسر لوجستي: في حال اندلاع حرب إقليمية واسعة، يمكن للمجال الجوي الأذربيجاني أن يتحول إلى ممر عبور للقوات الجوية المعادية، متجنباً منظومات الدفاع الجوي الكثيفة في الخليج.
📌**خاتمة**
المصانع التي تنهض اليوم في باكو لا تبني أدوات للسلام، بل تصنع سلسلة من القيود صممتها واشنطن وتل أبيب لتطويق محور المقاومة. تجاهل القوقاز لم يعد خياراً. فالقبضة الحديدية التي تتباهى بها باكو ليست لتثبيت سيطرتها على قره باغ فقط، بل لتكون رأس الحربة الإمبريالية الموجهة إلى قلب غرب آسيا.
** **🔵[Link to the article in English ](https://t.me/observer_5/212)[ ](https://t.me/observer_5/207)