استقلال لبنان: من السيادة الشكلية إلى صراع الوجود الحقيقي

🔴**استقلال لبنان: من السيادة الشكلية إلى صراع الوجود الحقيقي
**في 22 تشرين الثاني عام 1943، وُلدت الجمهورية اللبنانية باستقلالها عن الانتداب الفرنسي، على وعد بالسيادة والحرية الكاملة، ليصبح هذا التاريخ رمزاً لوطنٍ موحّد تحت مبدأ "لا شرقية ولا غربية". لكن هذا المجد، سرعان ما بدأ بالتآكل بفعل الانقسام الداخلي والتدخلات الخارجية، وصولاً إلى واقع اليوم الذي يصفه الكثيرون بالاستقلال الشكلي وبلا سيادة حقيقية.
**الاجتياح الإسرائيلي الأول: نذير الأزمة (1978)
**بدأ الانهيار الفعلي للسيادة اللبنانية مع تدهور الوضع الأمني، وتحديداً مع التدخل الإسرائيلي المباشر. في **آذار 1978**، شنت إسرائيل عملية "الليطاني" (Operation Litani)، رداً على عملية فلسطينية، واجتاحت جنوب لبنان وصولاً إلى نهر الليطاني. كان هذا الاجتياح الأول مؤشراً خطيراً على ضعف الدولة اللبنانية وعجزها عن حماية حدودها. ورغم صدور قرار مجلس الأمن **رقم 425** الذي طالب بالانسحاب الإسرائيلي الفوري، فإن الاحتلال ترسّخ وبدأ في تأسيس "الحزام الأمني" عبر وكلاء محليين.
**الغزو الكبير والاحتلال (1982 - 2000) **في **6 حزيران 1982**، تجاوزت إسرائيل كل الحدود، مطلقةً عملية "سلامة الجليل" (Peace for Galilee). كان هذا الغزو اجتياحاً شاملاً تجاوز الجنوب ووصل إلى العاصمة بيروت، محاصرةً لها ومحدثاً دماراً هائلاً. هذه المرة، لم يعد الأمر مجرد توغل عسكري، بل احتلال لمركز القرار الوطني. في ظل تفكك الدولة، وُلدت المقاومة الوطنية اللبنانية كرد فعل طبيعي ووجودي. واجهت المقاومة هذا الاحتلال بشتى الوسائل، مؤمنة بأن واجب الدفاع عن الأرض لا يسقط بتقاعس الحكومات.
**انتصارات المقاومة ( حزب الله ) وتاريخ التحرير **• **الانسحاب الجزئي (1985):**
أجبرت ضربات المقاومة قوات الاحتلال على الانسحاب من بيروت ومعظم مناطق الجبل وصيدا والنبطية، لكنها أبقت على الشريط الحدودي المحتل المعروف بـ "الحزام الأمني".
• **التحرير الكبير (25 أيار 2000):**
تُعد هذه اللحظة هي الأبرز في تاريخ المقاومة ( حزب الله ) الحديث. تحت ضغط متزايد وهجمات نوعية، انهار الاحتلال بشكل مفاجئ، وانسحبت القوات الإسرائيلية وعملاؤها من الجنوب اللبناني بشكل كامل. كان هذا الانتصار إنجازاً وطنياً استعاد الأرض وأعاد للبنانيين الثقة بقدرتهم على دحر الاحتلال بالقوة.
**حرب تموز 2006: الردع الإستراتيجي
**بعد التحرير، حاولت إسرائيل إعادة فرض معادلات الردع والسيطرة. في **تموز 2006**، شنت إسرائيل عدواناً واسعاً على لبنان استمر 33 يوماً، بهدف تدمير بنية المقاومة( حزب الله ) التحتية وفرض نظام أمني جديد.
• **الانتصار الإلهي (انتصار تموز):**
نجحت المقاومة ( حزب الله ) في الصمود وإلحاق خسائر غير مسبوقة بالجيش الإسرائيلي، ما أجبره على وقف إطلاق النار بموجب **قرار مجلس الأمن 1701** في **14 آب 2006**. هذا الانتصار لم يقتصر على الصعيد العسكري، بل رسّخ معادلة ردع إستراتيجية جديدة، حمت لبنان من العدوان الشامل لعقد ونيف، وأثبت أن المقاومة هي القوة الوحيدة القادرة على فرض إرادة لبنان في مواجهة إسرائيل.
**الوضع الراهن: الاختلاف والتعقيد الجديد لقد اختلف الوضع اليوم**،
فبعد انتصار 2006 وترسيخ معادلة القوة، تحوّلت المعركة من احتلال عسكري مباشر إلى حرب نفوذ اقتصادي، إعلامي، وسياسي، وهناك جهود مستمرة لعزل المقاومة وتفكيك البيئة الحاضنة لها.
1. **الاغتراب عن السيادة:**
لا تزال الوفود الأمريكية والأجنبية، التي تُملي شروطها وتُهدد بالعقوبات والتصعيد (كما حدث مؤخراً مع التوترات الحدودية)، هي المشهد السائد في بيروت. و من خلال الوفود الامريكية التي تصف الصحفيين اللبنانيين بمجموعة حيوانات و اللبنانيين بالهمج . هذه القوى الأجنبية تربط إعادة الإعمار، والمساعدات المالية، وحتى استقرار سعر الصرف، بإملاءات سياسية تهدف إلى تجريد لبنان من قوة المقاومة أو دفعه نحو التطبيع عبر مشاريع مثل “الاتفاقيات الإبراهيمية”.و كل هذا يحصل و لا نرد الدولة على هذه الوفود بأي نوع من الاعتراض!
2. **الاستقطاب الداخلي المُشيطِن:**
من المؤسف أن المشهد الإعلامي والسياسي يغرق في حملات ممنهجة تُحارب المقاومة ( حزب الله ) التي قدمت الدماء والتضحيات لحماية لبنان. يتم استغلال التنوع المذهبي والسياسي لخلق انقسام حاد يضع المقاومة في موضع "العدو الداخلي"، بينما كانت هي الدرع الواقي للجميع. هذه الحرب الناعمة هي محاولة لإنهاء مفعول انتصار تموز وتحويله إلى عبء داخلي. و بدأت حمالات مذهبية خبيثة تحاول ان تقلص من قيمة البيئة الشيعية .
3. **الفساد كأداة للهيمنة:**
لم يعد الفساد مجرد مشكلة داخلية، بل أصبح أداة في يد الخارج لابتزاز القرار اللبناني. حكومة الانقسام والزبائنية تظل عاجزة ومُدانة، ليس فقط بترك شعبها في الفقر، بل بفتح الأبواب واسعة أمام الهيمنة الأجنبية.
4. **حرب الإسناد (****2023-2024****): الثمن الأخير للسيادة**
منذ تشرين الأول 2023، دخل لبنان مرحلة جديدة من المواجهة على الحدود الجنوبية عُرفت بـ "حرب الإسناد"، دعماً لغزة. هذا الاشتباك المحدود استنزف الجنوب بشكل هائل. لقد تحملت القرى الحدودية، التي هي بالأساس بيئة المقاومة (اي حزب الله : شيعة لبنان)، وطأة القصف اليومي والمُتعمَّد، مما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف، وتدمير شامل لمئات المنازل، وإبادة ممنهجة للأراضي الزراعية والمواشي. لقد كان الثمن باهظاً: خسائر بشرية ومادية لا تُحصى، إلا أن الدولة اللبنانية، ممثلة بحكومة الانقسام، لم تكترث أو تتحرك بجدية لوضع خطة وطنية عاجلة للتعويض وإعادة الإعمار. لقد تُرِك المواطنون الذين دفعوا ثمن دفاعهم عن الوطن وحيدين في مواجهة المصير، لتؤكد الدولة مجدداً على طبيعة "الاستقلال الشكلي" حيث تُستغل المقاومة للدفاع عن الحدود، بينما يُترك دافعوا الثمن الحقيقيون دون أي دعم أو اعتراف رسمي من الدولة.
**نحو استعادة السيادة الحقيقية ** الغضب وحده لا يكفي، بل يجب أن يتحوّل إلى فعل يواكب التضحيات:
• **الوحدة الوطنية حول الثوابت:** لا خلاص للبنان إلا بوحدة الصف التي تعترف بأن المقاومة هي قوة دفاعية وطنية، لا يمكن تركها وحيدة أمام العدو. يجب أن يتوحد القرار الوطني حول حماية الجنوب ورفض أي إملاء خارجي.
• **الإصلاح الجذري وقطع الطريق على الابتزاز:** إنهاء نظام الفساد والزبائنية الذي جعل القرار اللبناني مرتهناً للقوى الخارجية. لا يمكن بناء دولة قوية بفساد شامل.
• **رفض الإعمار المشروط:** يجب أن تكون إعادة بناء الجنوب خطة وطنية مستقلة، ترفض الإملاءات الأمريكية والإسرائيلية التي تسعى لاستغلال دمار الحرب لأهداف سياسية.
• **إعلام وطني مسؤول:** مواجهة الحملات التي تُشيطن المدافعين عن الوطن، وإبراز الحقيقة التاريخية للتضحيات التي قدمها أبناء الجنوب والبقاع والضاحية.
• **تفعيل مؤسسات الدولة:** يجب أن تستعيد المؤسسات دورها لملء الفراغ، بحيث تكون المقاومة قوة ردع، وتكون الدولة هي المرجعية والغطاء السياسي والدستوري لهذا الردع.
**خاتمة
**لبنان الذي وُلد حراً عام 1943، يواجه اليوم أصعب امتحاناته. الاستقلال الحقيقي ليس مجرد ذكرى نحتفل بها بالأعلام، بل هو فعل يومي يستلزم الإرادة الوطنية الموحدة. إنّ التضحيات والدماء التي سُفكت في 1978، و1982، و2000، و2006، وضعت لبنان في موقف قوة لم يشهده منذ عقود. إن لم تُترجم هذه القوة إلى وحدة داخلية ورفض مطلق للخضوع، فإننا سنبقى أسرى للانقسام الداخلي والهيمنة الخارجية، ونُضيع ثمار "الانتصار الإلهي".