محاصرون في المتاهة: حرب غزة تحت الأرض ومصير المفقودين

محاصرون في المتاهة: حرب غزة تحت الأرض ومصير المفقودين
الهواء كثيف بالغبار ورائحة الديزل المعدنية. هزّة خفيفة تهز الجدران الطينية - صدى مكتوم للقصف المُستعر في الأعلى. في الظلام، الذي لا يضيئه إلا مصباح مُنتشل، يسعل شاب، مقاتل كان يتنقل في هذه الأنفاق بهدف، لكن رئتيه الآن مُجهدتان. بجانبه، تُمسك امرأة عجوز بصورة صغيرة ومُتسخة لحفيدها، الذي نزح من السطح وأصبح الآن محصوراً في هذا الشريان تحت الأرض. هم ليسوا حلفاء، بل أسرى حرب تحت الأرض معاً. يتساقط الماء من السقف، مُحدداً مرور الوقت - ساعة بطيئة ومؤلمة تقيس أملهم المتضائل ومستقبلهم المجهول.
هذا هو المسرح الخفي لحرب غزة (2023-2025):
متاهة شاسعة تحت الأرض حيث حوصر المقاتلون من أجل الحرية والمدنيون على حد سواء، ليس فقط بسبب الحصار العسكري، ولكن بسبب انهيار البنية التحتية ذاتها التي صُممت لحمايتهم أو إعالتهم.
يتعمق تحقيقنا في أصول "مترو غزة"، وظروف أولئك الذين فقدوا الآن في داخله، والمخاطر القانونية والإنسانية المُلحّة لاحتجازهم.
حقائق سريعة: الحرب الخفية في الأسفل * تقديرات شبكة الأنفاق: تشير التقارير إلى شبكة تمتد لمسافة 350-450 ميلاً مع أكثر من 5,700 بئر. * الأصل التاريخي: تعود الأنفاق التي تربط غزة ومصر إلى أوائل الثمانينات، وكانت في المقام الأول للتهريب. * حادثة رئيسية: شهد الهجوم العسكري على مدينة غزة في أغسطس - سبتمبر 2025 توغلات كبيرة في أعمق شبكات الأنفاق. * ظروف المدنيين: اعتباراً من يوليو 2025، كان أكثر من 320,000 طفل دون سن الخامسة في غزة معرضين لخطر سوء التغذية الحاد. ويُفترض أن الظروف تحت الأرض أسوأ بكثير. * مبدأ القانون الإنساني الدولي: مبدأ التمييز يتطلب أن تستهدف الهجمات الأهداف العسكرية فقط، وليس المدنيين أو الأعيان المدنية. * مطلب اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC): دعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مراراً إلى الإفراج غير المشروط عن الرهائن والوصول إلى جميع المُحتجزين.
أصول شبكات الأنفاق والغرض منها:
إن شبكة أنفاق غزة، التي غالباً ما تُوصف بـ "مترو غزة" من قبل المصادر الإسرائيلية، ليست هيكلاً أحاديًا بل هي تطور للهندسة النفعية والعسكرية. تعود جذورها إلى أوائل الثمانينات، بعد تقسيم مدينة رفح الحدودية بواسطة طريق فيلادلفيا. طورت العائلات المحلية أنفاقاً مُتطورة عبر الحدود لـ تهريب البضائع التجارية في المقام الأول والتحايل على الحصار الاسرائيلي.
بعد صعود حماس في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وخاصة بعد عام 2007، تم توسيع شبكة الأنفاق بشكل كبير وإعادة توظيفها. تحول الغرض من التجارة البحتة إلى المنفعة العسكرية الاستراتيجية: * الأنفاق العسكرية: مدفونة بعمق (18-25 متراً تحت الأرض)، وهي مُصممة لـ تخزين الأسلحة، ومراكز القيادة والتحكم، والتدريب، والحركة المُتخفية لمقاومين حماس و الفصائل الاخرى . وهي مُجهزة بأنظمة كهرباء وتهوية واتصالات مُتكاملة. * الأنفاق المدنية/النفعية: غالباً ما تُطمس الوثائق العامة الخط الفاصل، ولكن توجد تقارير عن أنفاق أصغر وأكثر ضحالة يستخدمها المدنيون لـ الإيواء المؤقت أثناء القصف أو للوصول إلى بضائع محدودة، خاصة على طول الحدود المصرية تاريخياً. ومع ذلك، غالباً ما وضع الجيش نقاط وصوله الاستراتيجية - أو آبار الأنفاق - داخل منشآت مدنية واضحة مثل المنازل والمساجد والمدارس، وهو تكتيك يُعقد تحليل القانون الإنساني الدولي واحتياجات حماية المدنيين.
من المُوثق علناً أن الجناح العسكري لحماس أنشأ شبكات ضخمة تحت الأرض لتقويض التفوق الجوي الإسرائيلي وتمكين العمليات السرية.
الدور خلال حرب غزة 2023-2025
أصبحت الأنفاق مركزية في حرب 2023-2025، وشكلت كلاً من استراتيجية حماس واستجابة جيش الدفاع الإسرائيلي (IDF). * المنفعة العسكرية: وفرت الشبكة لحماس "قدرات مماثلة لتلك التي توفرها الطرق لقوة عسكرية"، ودعمت كلاً من التحركات الهجومية والانسحاب الدفاعي من القوات السطحية المتفوقة. كانت هذه الحركة المُتخفية حاسمة لشن الهجمات والكمائن على المستعمر الصهوني . * احتياجات الحماية المدنية: نظراً لنزوح أكثر من 90% من سكان غزة وتدمير البنية التحتية بشكل منهجي، ربما تكون الأنفاق قد وفرت الملاذ الفوري الوحيد لبعض المدنيين الفارين من القصف المستمر، حتى لو كان وجودهم إلى جانب المنشآت العسكرية يعرضهم لخطر شديد. الجدول الزمني للحوادث الرئيسية: * 7 أكتوبر 2023: استخدم الهجوم الأولي الذي قادته حماس على إسرائيل أنفاقاً تؤدي إلى المجتمعات الإسرائيلية، مما مكن من التسلل وأخذ الرهائن. * أكتوبر - نوفمبر 2023: شن جيش الدفاع الإسرائيلي غزوه البري الأولي، مُركزاً بشكل كبير على تحديد موقع وتدمير البنية التحتية للأنفاق. ادعى جيش الدفاع الإسرائيلي( كاذبا ) أن مركز تحكم رئيسي كان يقع تحت مستشفى الشفاء.
* أغسطس - سبتمبر 2025: تضمنت المعارك العنيفة في المراحل النهائية من الصراع توغلات عميقة في أكثر الطبقات تعقيداً من الشبكة تحت مدينة غزة، مما يمثل تحولاً من تطهير مداخل الأنفاق إلى الاشتباك في قتال تحت الأرض.
الوضع الحالي للمحاصرين في الأنفاق:
الأنفاق، المصممة للعمليات العسكرية المحدودة، غير مجهزة للسكن البشري على المدى الطويل، خاصة بعد عمليات قتالية واسعة النطاق. الواقع الحالي لأولئك المحاصرين - سواء كانوا مقاتلين تم أسرهم أو مدنيين غير قادرين على الفرار - هو واقع وخيم. * الظروف الجسدية: ترسم التقارير حول الظروف الإنسانية في غزة بشكل عام صورة لنقص كارثي: بحلول يوليو 2025، واجه أكثر من 320,000 طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاد، ولجأت ما يقرب من تسع من كل عشر أسر إلى "آليات تكيف شديدة القسوة" للعثور على الطعام. الظروف تحت الأرض معزولة حتى عن الحد الأدنى من المساعدات التي تصل إلى السطح. تظل الجروح دون علاج، ويتأثر التنفس بالغبار وسوء التهوية، ويكاد يكون الوصول إلى المياه النظيفة معدوماً. * الحالة العاطفية: الصدمة والخوف منتشران بين المدنيين .انا المقاومين فهم اقوياء ولكن قد يحتاجون للطعام و المساعدات الطبية.
ما قد يحدث في حال/عندما يتم الإفراج عن المقاومين
السيناريوهات المعقولة للمقاومين الأسرى أو المُفرج عنهم محفوفة بالتعقيدات القانونية: * الاحتجاز: يُعد الاحتجاز الإداري أو الأمني المستمر، غالباً دون محاكمة، ممارسة شائعة ولكن يجب أن يلتزم بمعايير القانون الإنساني الدولي المتعلقة بالظروف والمراجع . * المحاكمة: قد يواجه المقاتلون / المقاومون تهماً جنائية لأفعال محددة (مثل القتل، وأخذ الرهائن) بموجب القانون المحلي الإسرائيلي.
يتطلب القانون الإنساني الدولي أن تُلبي أي محاكمة المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، مما يحظر العقوبة الموجزة أو الغيابية. * التبادل/إعادة الاندماج: غالباً ما يحدث الإفراج كجزء من تبادل الأسرى الذي يتم التفاوض عليه خلال وقف إطلاق النار. قد يواجه أولئك الذين لم يتم تبادلهم احتجازاً طويل الأمد أو، بشكل أقل شيوعاً، تسريحاً وإعادة إدماج إذا تم إنشاء إطار لإنهاء الصراع.
الخطر الأساسي هو سوء المعاملة أو التعذيب أو العقوبة خارج نطاق القضاء - وهي أعمال تنتهكها اسرائيل كلاً من القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بغض النظر عن الجرائم المزعومة للفرد.
مواقف منظمات حقوق الإنسان
أصدرت الهيئات الدولية الرئيسية مطالب لا لبس فيها تركز على حماية جميع الأفراد في منطقة النزاع: * اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC): تطالب اللجنة الدولية للصليب الأحمر بـ الإفراج غير المشروط عن الرهائن وتسعى بنشاط "للضغط من أجل الوصول إليهم والقدرة على تزويدهم بالرعاية الطبية والغذاء". كما تصر على المعاملة الإنسانية لجميع المُحتجزين. * هيومن رايتس ووتش (HRW): تُسلط هيومن رايتس ووتش الضوء على النزوح القسري وحرمان المساعدات، والتي تجادل بأنها تشكل نظاماً من النقل القسري يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية.
* وكالات الأمم المتحدة: تُركز هيئات الأمم المتحدة مثل الأونروا على "تفريغ الإنسانية" بسبب الصراع وتؤكد على أنه "يجب السماح بالدخول والمرور السريع ودون عوائق للمساعدات الإنسانية".
ما يمكن فعله - سبل الانتصاف الإنسانية والقانونية هناك حاجة لعمل فوري لمنع المزيد من المعاناة وضمان الالتزام القانوني: * الممرات الإنسانية: يجب على هيئات المراقبة المستقلة التفاوض على الوصول - إلى السطح ومن خلال الممرات المحايدة - لتوفير المساعدات الطبية والمياه والتغذية للمحاصرين تحت الأرض، بغض النظر عن وضعهم. * المراقبة المستقلة: يجب منح اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهيئات المحايدة الأخرى وصولاً فورياً ودون عوائق إلى جميع أماكن الاحتجاز، بما في ذلك تلك الموجودة في عمق شبكة الأنفاق، لمراقبة الظروف والمعاملة. * الوصول إلى المشورة القانونية: يجب السماح للمقاومين الأسرى بالوصول إلى مستشار قانوني للطعن في احتجازهم وضمان استيفاء معايير المحاكمة العادلة، والتمسك بسيادة القانون حتى في النزاع.
سبل الدعوة:
دعم المنظمات الموثوقة مثل أطباء بلا حدود (MSF) والأونروا. الانخراط في حملات كتابة الرسائل إلى وزارات الخارجية المعنية ومكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، للمطالبة بالالتزام باتفاقية جنيف الرابعة وتطبيق المراقبة المستقلة.
تحليل:
الرهانات الجيوسياسية والأخلاقية تحمل طريقة التعامل مع أنفاق غزة ومصير من بداخلها رهانات جيوسياسية وأخلاقية عميقة. تُمثل الأنفاق تقاطع تحديين قانونيين حاسمين: التزامات قوة الاحتلال الإسرائيلي أو المهاجمة تجاه المدنيين، والمعاملة الإنسانية للمقاومين .
إذا فشلت الدولة القائمة بالاحتجاز في الالتزام بالقانون الإنساني الدولي، مما سمح بظروف غير إنسانية أو تعذيب أو عقوبة موجزة، فإنها تُنشئ سابقة خطيرة تقوض معايير القانون الدولي ومفهوم العدل في الحرب نفسه.
مثل هذه الانتهاكات ستغذي بلا شك عدم الاستقرار الإقليمي، وتضر بالمكانة الدولية، وتكون بمثابة صرخة حاشدة قوية للصراع المستقبلي.
السؤال الأخلاقي صارخ:
هل تبرر الجريمة المزعومة للمقاوم العقاب الجماعي وغير الإنساني لاحتجازه أو حرمانه من المساعدة الطبية؟
القانون الإنساني الدولي واضح: لا.
المعاملة الإنسانية هي التزام غير مُتبادل - وهي تنطبق بغض النظر عن تصرفات الخصم.
الخلاصة:
الحرب في الأنفاق هي مأساة غير مرئية تختبر حدود الإنسانية وقوة القانون الدولي. الأفراد المحاصرون - سواء كانوا مقاومين أو مدنيين - مدينون بنفس الكرامة الأساسية والحماية التي تضمنها الاتفاقيات الدولية التي صيغت في أعقاب الفظائع السابقة. يجب السعي لتحقيق المساءلة عن جميع الأفعال - الاستخدام التكتيكي للبنية التحتية المدنية من قبل المقاومين ومعاملة جميع المُحتجزين من قبل الدولة القائمة ( اسرائيل ) بالاحتجاز - بصرامة.
الحقائق واضحة:
ربما تكون الأنفاق قد صُممت للحرب، ولكن يجب ألا تتحول إلى مقابر تُدفن فيها الالتزامات القانونية وحقوق الإنسان بشكل دائم.