الكاتب د. وسيم جابر

🔴اخر اسبوعين الكاتب د. وسيم جابر
يدخل لبنان مرحلة شديدة الحساسية، حيث يُطرح ما يُسمّى بـ”المقترح الاقتصادي” بوصفه مشروعاً لتنمية الجنوب، بينما يكشف التدقيق أنه يهدف إلى تغيير جوهري في هوية المنطقة وحدودها. فالمضمون الحقيقي للخطة يقوم على تهجير دائم لأهالي الجنوب، وتحويل الشريط الحدودي إلى منطقة اقتصادية خارجة عن السيادة، وتأجير مساحات واسعة لدول خليجية بإشراف أميركي–إسرائيلي، مقابل شرط أساسي يتمثّل في نزع سلاح المقاومة. ما يبدو عرضاً اقتصادياً ليس سوى محاولة لإعادة رسم الجنوب اللبناني بالكامل.
تتضمّن الخطة عناصر متكاملة: تعويضات مالية لمنع الأهالي من العودة إلى بيوتهم، تحويل المنطقة من الناقورة إلى شبعا إلى فضاء استثماري مفتوح، وربط الساحل بجبل حرمون ضمن مشاريع ضخمة. في الخلفية، يتم التلويح باستخدام القوة لتركيع لبنان، فيما تأتي رسائل مصرية تحذّر من “شلل كامل” قد يصيب البلاد إن رفضت التوقيع.
الأسبوعان المقبلان يحملان ثقلاً استثنائياً، إذ تسعى واشنطن إلى فرض توقيع لبناني قبل اللقاء المرتقب بين ترامب ونتنياهو. السيناريو المطروح يبدأ بالضغط السياسي والتصعيد العسكري والحملات الإعلامية، ثم ينتقل — في حال الرفض — إلى ضرب البنية التحتية اللبنانية واغتيال شخصيات قيادية، وصولاً إلى خلق حالة انهيار داخلي تُستخدم لإجبار الدولة على الرضوخ.
في المقابل، تُوجَّه دعوات للمقاومة للتحلّي بضبط النفس وعدم استخدام أوراقها الكبرى في الوقت الراهن، مع التشديد على وضع معادلة واضحة: “شلل في بيروت = شلل في تل أبيب”. الوقت عامل أساسي، وكشف تفاصيل المخطط للرأي العام ضروري لحرمانه من الغطاء السياسي والشعبي.
أما على مستوى الدولة، فالمطلوب من رئيس الجمهورية اتخاذ موقف واضح برفض أي صيغة تهجير أو تأجير للأرض، وعدم القبول بأي تنازل يمسّ سلاح المقاومة أو سيادة الجنوب. كما تقع على عاتقه مسؤولية كشف التفاصيل الدقيقة للبنانيين واستعمال الوسائل الدبلوماسية لكشف المشروع أمام العالم.
لبنان اليوم أمام مفترق حاسم: إما القبول بما يعني عملياً نهاية السيادة، أو رفض المشروع مهما كانت كلفته، وهي تبقى أقل بكثير من كلفة الاستسلام. التجارب التاريخية تؤكد أن الشعوب التي قررت المواجهة، من فيتنام إلى غزة، نجحت في إسقاط مشاريع أكبر وأخطر.
من منظور تحليلي، يظهر أن هذا “المقترح الاقتصادي” ليس إلا نسخة معدّلة من نموذج الفصل العنصري الصهيوني، يقوم على إفراغ الأرض، نزع السلاح، وإدخال المستثمر الخليجي كغطاء لتنفيذ مشروع مراقبة إسرائيلية غير مباشرة على الجنوب. المعادلة واضحة: تهجير دائم، أرض للتأجير، واقتصاد تحت الوصاية… أي لبنان بلا سيادة.
إسرائيل تحاول انتزاع ما عجزت عنه في الحرب عبر سياسة الأمر الواقع. لكن نقطة القوة الأساسية التي تقف في وجه هذا المخطط تبقى المقاومة، ولهذا يتمحور المشروع كله حول محاولة تجريدها من سلاحها. ولا دولة في التاريخ سلّمت سلاحها تحت الضغط وظلّت حرّة؛ فالسلاح الذي يُسلّم للصهاينة لا يعود، والأرض التي تُهجر تُسلَب، والاقتصاد الذي يُدار من الخارج يُسخّر في خدمة المشروع الصهيوني.
المطلوب اليوم مواجهة المشروع بوضوح، ورفض تغليفه بعبارات اقتصادية، ومنع تكرار سيناريو 1982 ولو بطريقة أكثر نعومة. وإذا شُلّ لبنان، يجب أن تُشلّ إسرائيل بالمعادلة نفسها، لأنها اللغة الوحيدة التي يفهمها الاحتلال.
الصهيونية تريد جنوباً بلا شعب وشعباً بلا سلاح. لكن دروس التاريخ تقول إن الشعوب التي تقاوم تكسر كل المخططات مهما بلغت قوتها.