ذكرى الانتصار على داعش: كيف استعاد العراق أرضه وغيّر معادلات الإقليم

🔴**ذكرى الانتصار على داعش: كيف استعاد العراق أرضه وغيّر معادلات الإقليم**
في **9 كانون الأول/ديسمبر 2017** أعلن رئيس الوزراء العراقي آنذاك، حيدر العبادي، تحقيق “الانتصار النهائي” على تنظيم داعش بعد ثلاث سنوات من المعارك الضارية التي اجتاح خلالها التنظيم أجزاء واسعة من العراق قبل أن يُهزم تدريجياً على يد القوات العراقية مدعومةً بقوات الحشد الشعبي وفصائل محور المقاومة. شكّل هذا الإعلان نهاية فصلٍ تاريخي مرير، وبداية مرحلة جديدة أعادت رسم السيادة العراقية وتوازنات المنطقة.
**1. خطّ زمني: صعود داعش وسقوطه**
بدأ صعود داعش في العراق بمنعطف حاسم تمثّل في **سقوط مدينة الموصل في 10 حزيران/يونيو 2014**، حين انهارت الدفاعات المحلية بسرعة مذهلة مكّنت التنظيم من السيطرة على ثاني أكبر مدن البلاد، قبل أن يتمدد بسرعة في محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار. مثّل سقوط الموصل صدمة عسكرية وسياسية، وكشف عمق التحديات البنيوية داخل المؤسسة الأمنية.
لكن المنعطف الأكبر جاء بعد ثلاثة أيام فقط، عندما أصدر **آية الله العظمى السيد علي السيستاني في 13 حزيران/يونيو 2014** فتوى “الجهاد الكفائي”، التي أعادت تشكيل المشهد الشعبي والعسكري، إذ تدفق عشرات الآلاف من المتطوعين استجابةً لهذه الدعوة التاريخية. هذه التعبئة الشعبية وضعت الأساس لتأسيس **هيئة الحشد الشعبي** كقوة رسمية بإشراف الدولة.
قاد الحشد الشعبي، إلى جانب القوات المسلحة العراقية، سلسلة من المعارك المفصلية: تحرير تكريت (2015)، تحرير الرمادي (2015)، معركة الفلوجة (2016)، ثم **معركة الموصل** التي استمرت من 2016 إلى 2017، وصولاً إلى تحرير تلعفر، والقائم، وراوة في أواخر 2017. وفي **9 كانون الأول 2017** أعلن العراق انتهاء الوجود العسكري لداعش فوق أراضيه.
**2. القوى المقاتلة ودور محور المقاومة**
خاضت القوات العراقية المعركة بمزيجٍ مركّب من وحداتها النظامية: **الجيش العراقي، جهاز مكافحة الإرهاب، الشرطة الاتحادية**، وغيرها. لكن الدور الأكثر حسماً تمثّل في **الحشد الشعبي** الذي أصبح العمود الفقري للعمليات البرية.
برز في هذا السياق اسم **أبو مهدي المهندس**، نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، الذي لعب دوراً قيادياً مركزياً في تنظيم الجبهات، وتنسيق غرفة العمليات المشتركة، وإدارة الساحات المعقدة. مثّل المهندس العقل العملياتي للحشد، وربط تشكيلاته المتعددة بإستراتيجية واحدة.
كما لعب **فيلق القدس** في الحرس الثوري الإيراني، بقيادة الشهيد **قاسم سليماني**، دوراً محورياً في تقديم المشورة الميدانية والتخطيط العملياتي، إلى جانب دعم فصائل محور المقاومة في العراق ولبنان. هذا التعاون العسكري والاستخباري بين القوى العراقية والإقليمية منح المعركة بعداً إستراتيجياً تجاوز حدود العراق.
**3. كلفة الحرب: بشر، مدن، وذاكرة**
تكبّد العراق ثمناً بشرياً باهظاً. قُتل آلاف من المدنيين والعسكريين خلال المعارك والضربات الجوية، ونزح **ملايين العراقيين بين 2014 و2017** عن منازلهم بسبب العمليات العسكرية أو سيطرة التنظيم.
تعرضت مدنٌ بأكملها لدمار واسع، خصوصاً **الموصل، الرمادي، والفلوجة**، ما فتح باباً عريضاً لمشاريع إعادة الإعمار، ولا يزال الكثير منها غير مكتمل حتى اليوم.
الآثار الاجتماعية والنفسية للحرب — من التفكك الأسري إلى فقدان الممتلكات إلى الذاكرة الجماعية للكارثة — شكّلت تحدياً طويل الأمد لا يقل صعوبة عن التحديات الأمنية.
**4. السياق الإقليمي والدولي**
رغم أن **التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة** قدّم دعماً جوياً للعمليات، إلا أن دوره كان موضع جدل واسع بسبب الخسائر المدنية الكبيرة، وبسبب اتهامات كثيرة بأن السياسات الأميركية في سوريا والعراق قد ساهمت بشكل غير مباشر في خلق البيئة التي تمدد فيها داعش.
في المقابل، نظرت قوى **محور المقاومة** — من إيران إلى فصائل المقاومة العراقية واللبنانية — إلى المعركة باعتبارها جزءاً من صراعٍ أشمل ضد المشروع الأميركي–الإسرائيلي في المنطقة. ومع هزيمة داعش، تعززت العلاقات الأمنية والسياسية بين بغداد وطهران، ما غيّر توازن القوى الإقليمي لمصلحة محور المقاومة.
**5. ما بعد داعش: الأمن، السياسة، وإعادة الإعمار**
انتهى داعش كقوة مسيطرة على الأرض، لكنه لم يختفِ تماماً. لا تزال خلاياه النائمة تنشط في **ديالى وكركوك والمناطق الصحراوية**، مستفيدة من الفراغ الأمني والجغرافي.
على المستوى الإعادي، تواجه المدن المحررة تحديات ضخمة في إعادة بناء البنية التحتية، وعودة الخدمات، واستعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية. سياسياً، بقيت **قضية الحشد الشعبي** — شرعيته، دوره، ومستقبله — نقطة حساسة في النقاش الوطني.
كما أن الوجود العسكري الأميركي في العراق واستمرار المفاوضات حول انسحاب القوات الأجنبية يشكلان ملفاً مفتوحاً يتداخل مع الصراع الإقليمي الأكبر.
**6. إحياء ذكرى الانتصار اليوم**
تُقام في العراق احتفالات سنوية رسمية وشعبية تستذكر تضحيات المقاتلين والشهداء.
تُنظم **استعراضات للحشد الشعبي**، وتُلقى كلمات سياسية تؤكد على الوحدة الوطنية.
كما تعيش الذاكرة العراقية جدلاً إعلامياً واسعاً، حيث تحاول بعض المنابر الغربية والخليجية التقليل من دور الحشد الشعبي ومحور المقاومة في الانتصار، مقابل رواية عراقية راسخة تؤكد أن التحرير كان ثمرة دماء العراقيين وشراكتهم مع حلفائهم الإقليميين.
**7. خاتمة: كيف أعاد الانتصار تشكيل العراق والمنطقة؟**
لم يكن الانتصار على داعش مجرد نهاية لمعركة عسكرية، بل كان مفصلاً تاريخياً أعاد صياغة ثلاثة مسارات رئيسية: 1. **السيادة:** استعادة الأرض أعادت الثقة بالدولة، لكنها كشفت تحدي احتكار السلاح ودور التشكيلات المسلحة. 2. **التحالفات:** عززت الحرب محور بغداد–طهران ورسخت نفوذ قوى المقاومة داخل العراق. 3. **التوازن الإقليمي:** أثبتت التجربة أن تحالف الدولة مع قوى المقاومة قادر على هزيمة أخطر التنظيمات الإرهابية، لكنها تركت عراق ما بعد 2017 أمام تحديات إعادة البناء والمصالحة.
إن ذكرى الانتصار على داعش هي لحظة للتأمل: لتكريم من ضحّوا، ولتذكّر ثمن الحرب، وللدفع نحو سياسات تُحوّل النصر العسكري إلى أمنٍ مستدام، وحكمٍ عادل، وتنميةٍ حقيقية تمنع تكرار المأساة.