الذوات المُعسكَرة، والضحايا المُسَيَّسون، ومن يلفت انتباه العالم

**الذوات المُعسكَرة، والضحايا المُسَيَّسون، ومن يلفت انتباه العالم**
**قراءة لثلاث هجمات: من أستراليا إلى أميركا وسوريا**
**ملخّص **
تحاول هذه المقالة فهم ثلاث حوادث عنف وقعت في **أستراليا، والولايات المتحدة، وسوريا**، ليس باعتبارها أفعالًا فردية معزولة، بل كأحداث **جرى تفسيرها سياسيًا وإعلاميًا بطرق مختلفة جدًا**.
الفكرة الأساسية بسيطة: **ليست كل الجرائم تُروى بالطريقة نفسها، وليس كل الضحايا يحظون بالاهتمام نفسه**.
نستخدم هنا أفكارًا من علم السياسة وعلم الاجتماع لنفهم: 1. كيف يتحوّل أشخاص خضعوا سابقًا للعسكرة إلى فاعلين عنيفين، 2. لماذا يُسلَّط الضوء على بعض الضحايا بينما يُهمَّش آخرون، 3. كيف تُفرض رواية جاهزة على حدث ما قبل انتهاء التحقيق.
نركّز بشكل خاص على **حادثة بونداي في أستراليا**، التي جرى توصيفها سريعًا كهجوم “معادٍ للسامية”، مقابل **التجاهل شبه التام لإطلاق النار في جامعة براون** في الولايات المتحدة، رغم أنه جاء ضمن رقم صادم: **389 هجومًا جماعيًا في عام واحد فقط**.
كما نذكّر بأن **منفّذ هجوم تدمر في سوريا** تخرّج من **البيئة الجهادية نفسها** التي خرج منها الجولاني، الحاكم الحالي لسوريا، ما يسلّط الضوء على تداخل العنف المؤسسي مع التطرف.
الخلاصة: **قوة الرواية هي التي تحدد قيمة الحدث سياسيًا، لا عدد الضحايا وحده**.
**1. العنف ليس «خبرًا» فقط**
عندما يقع هجوم، لا نتعامل معه كحقيقة مجرّدة. بل يُعطى اسمًا، وتُحدَّد له هوية، ويُربط بقصة سياسية كبرى.
إذا قال مسؤول كبير أو دولة قوية إن ما حصل هو “تهديد أمني”، يتحوّل الحدث فورًا إلى قضية أمن قومي، وتُبرَّر على أساسه إجراءات استثنائية.
هذا ما يسمى في علم السياسة: **الأمننة**.
**2. ثلاث حوادث… ثلاث روايات مختلفة**
نتناول ثلاث حالات: 1. **نافيد أكرم** – حادثة بونداي في سيدني 2. **بنجامين إريكسون** – إطلاق النار في جامعة براون (أميركا) 3. **منفّذ هجوم تدمر** – استهداف قوات أميركية وإسرائيلية في سوريا
السؤال ليس فقط: __لماذا فعلوا ذلك؟__ بل الأهم:
**لماذا فُسِّرت كل حادثة بطريقة مختلفة تمامًا؟ ومن المستفيد من هذا التفسير؟**
**3. قاسم مشترك مهم: العسكرة**
الثلاثة يشتركون في أمر أساسي:
**تعرضوا سابقًا لعنف منظم داخل مؤسسات عسكرية أو أمنية**. • نافيد أكرم: جرى الحديث عن ارتباطه بالجيش الاسرائيلي وتأثره بما جرى في غزة. • بنجامين إريكسون: جندي مشاة أميركي مدرّب على القتال. • منفّذ تدمر: جزء من أجهزة أمنية سورية وله صلة بداعش.
هؤلاء ليسوا “وحوشًا” ولا “مجانين” كما يُصوَّرون عادة، بل **أشخاص خرجوا من أنظمة عنف ثم تُركوا بلا محاسبة أو دعم نفسي**.
يسمّي الباحثون هذا: **الأذى الأخلاقي** أي الشعور بالذنب والانهيار الداخلي بعد المشاركة في عنف يتعارض مع الضمير.
**4. لماذا اهتم العالم بأستراليا… وتجاهل أميركا؟**
**4.1 أستراليا: تضخيم فوري**
حادثة بونداي تحوّلت خلال ساعات إلى: • قضية دولية، • تصريحات من قادة دول، • عنوان واحد مسيطر:
**هجوم معادٍ للسامية**.
**4.2 جامعة براون: صمت شبه كامل**
في المقابل، إطلاق النار في جامعة براون: • لم يتحوّل إلى قضية عالمية، • لم تُعقد مؤتمرات دولية بسببه، • أُدرج ضمن “الاعتياد الأميركي” على العنف.
رغم أنه كان **الهجوم الجماعي رقم 389 في عام واحد**.
هذا يوضح فكرة مهمة:
**الاهتمام الإعلامي لا يتبع عدد الضحايا، بل الفائدة السياسية من القصة**.
**5. مشكلة رواية «معاداة السامية» في حادثة بونداي**
**5.1 تثبيت رواية واحدة**
في حادثة بونداي، جرى تسريب معلومات مبكرًا، وقُدّمت رواية واحدة فقط:
الفاعل معادٍ للسامية.
و الفعل باكستاني و مسلم .
قبل انتهاء التحقيق، وقبل طرح أي تفسير آخر.
هذا لا يعني أن معاداة السامية غير موجودة، لكن يعني أن **اختيار هذا التفسير بالذات كان قرارًا سياسيًا–إعلاميًا**.
**5.2 السياق السياسي**
قبل الحادثة، صدرت تصريحات إسرائيلية من قبل نتنياهو يهدّد دولًا، منها أستراليا، بسبب مواقفها من الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
هذا لا يثبت وجود تخطيط، لكن يفسّر لماذا **كان من السهل ربط الحدث فورًا بسردية جاهزة**.
**6. أحمد الأحمد: الحقيقة التي أُهمِلت**
من الحقائق التي لم تُبرز إعلاميًا:
**أحمد الأحمد، رجل مسلم، تدخّل وواجه أحد المهاجمين ومنع سقوط مزيد من الضحايا**.
هذا التفصيل مهم جدًا لأنه: • ينسف فكرة “المسلم المعتدي مقابل اليهودي الضحية”، • يثبت أن الهوية الدينية لا تفسّر العنف، • يحرج الرواية المبسّطة، لذلك جرى تهميشه.
**7. هل كان الهجوم فعل كراهية دينية؟**
الخطاب الرسمي قال نعم. لكن الوقائع تشير إلى أسئلة مشروعة: • الهجوم لم يكن عشوائيًا، • لم يُستهدف المارة الأستراليون، • بدا مرتبطًا برمزية سياسية لا بكراهية دينية عامة.
هذا العنف الذي حصل و وصفه تلقائيًا كـ«معاداة سامية» هو **اختزال سياسي**.
المشكلة الكبرى هنا هي **الخلط بين اليهودية والصهيونية وسياسات دولة إسرائيل**،
ما يجعل أي نقد سياسي يُصنّف فورًا ككراهية دينية.
**8. ماذا عن الاستخبارات الإسرائيلية؟**
لا توجد أدلة مؤكدة على تورّط مباشر.
لكن الواضح هو: • الاستخدام السريع لخطاب “إيران” و“حزب الله”، • نقل المسؤولية إلى الخارج، • إعفاء الأنظمة التي صنعت هذه الذوات المُعسكَرة من المحاسبة.
السؤال الحقيقي ليس:
هل تورّطت الاستخبارات؟
بل:
كيف تُستَخدم هذه الروايات لإبقاء العالم في حالة طوارئ دائمة؟
**9. خاتمة مبسّطة**
ما تكشفه هذه الحالات هو: • أشخاص صُنِعوا داخل أنظمة عنف ثم تُركوا، • ضحايا يُختار لهم حجم الظهور، • روايات تُفرض أسرع من الحقيقة.
معلومة أخيرة لافتة: • والدة نافيد إيطالية ووالده هندي مع ان الاعلام قد اعلن سابقا انه باكستاني ، • وكان معروفًا بأنه شخص لطيف، • وكذلك بنجامين إريكسون، الذي وُصف بأنه مهذّب.