من مُنتِجٍ سيادي إلى مُستهلِكٍ تابع

🔴**من مُنتِجٍ سيادي إلى مُستهلِكٍ تابع**
**هيمنة الطاقة، صفقة الغاز المصرية–الإسرائيلية، والاقتصاد السياسي للاعتماد العربي المُدار**
**الملخّص**
تشكل مصادقة الحكومة الإسرائيلية في كانون الأول/ديسمبر 2025 على اتفاق طويل الأمد لتصدير الغاز الطبيعي إلى مصر—بقيمة تُقدَّر بنحو 34–35 مليار دولار وتمتد حتى عام 2040—منعطفًا حاسمًا في سياسات الطاقة بشرق المتوسط. وقد وُصفت الصفقة من قبل القيادة الإسرائيلية بأنها الأكبر اقتصاديًا في تاريخ الدولة، ما يعكس أهميتها الاستراتيجية بقدر ما يعكس بعدها التجاري. تُظهر هذه الدراسة كيف تُكرِّس الصفقة موقع إسرائيل بوصفها قوة مهيمنة في مجال الطاقة إقليميًا، فيما تُعيد تموضع مصر—التي كانت مُنتِجًا ومُصدِّرًا للغاز—كَمُستهلِكٍ تابعٍ بنيويًا.
تُحلِّل الدراسة تاريخ حقل ليفايثان، والآليات التعاقدية والجيوسياسية التي أفضت إلى تبعية مصر، والانعكاسات الاقتصادية والسياسية والأخلاقية للاتفاق، لا سيما في سياق حصار غزة المستمر. كما تُقدِّم مقارنة مع نزاع إسرائيل–لبنان حول حقلي كاريش وقانا، لتبيان كيف تُنتج المقاومة حقوقًا جزئية، فيما تُنتج الامتثالية تبعية. وتخلص إلى أن الطاقة باتت أداة مركزية للهيمنة الإقليمية وإدارة السيادة العربية تحت إشراف إسرائيلي–أميركي.
**المقدّمة: انقلاب السيادة الطاقوية**
«تنازلت مصر عن حقول غاز ضمن بيئتها البحرية، ثم عادت لتصبح مشتريًا متسوّلًا—فتحوّلت من صاحبة حق إلى زبون تابع».
يلخّص هذا التوصيف البنية العميقة لصفقة الغاز المصرية–الإسرائيلية التي صودق عليها في كانون الأول/ديسمبر 2025. فالاتفاق ليس معاملة تجارية محايدة، بل انقلابٌ تاريخي في علاقات الطاقة الإقليمية، يُعاد فيه تموضع مصر—التي شكّلت يومًا ركيزة إنتاج وتصدير—كمُستهلِكٍ طويل الأمد للغاز الإسرائيلي.
بحسب **رويترز**، يغطي الاتفاق تصدير نحو **130 مليار متر مكعب** من الغاز الطبيعي من حقل ليفايثان إلى مصر حتى عام 2040، بقيمة إجمالية تُقدَّر بـ **34–35 مليار دولار **. وقد وصف بنيامين نتنياهو الاتفاق بأنه «أكبر صفقة اقتصادية في تاريخ إسرائيل»، في دلالة على أهميته الاستراتيجية لا التجارية فحسب .
تُجادل هذه الدراسة بأن قراءة الصفقة تقتضي وضعها ضمن بنية أوسع للهيمنة، حيث تُستخدم الطاقة كآلية للتطبيع والتبعية والضغط السياسي. ومن منظور محور المقاومة، تُسهم الصفقة في تمويل اقتصاد الحرب الإسرائيلي، وتعميق الهشاشة المالية والسياسية لمصر، وتأتي في ظل حصار غزة دون أي شرط إنساني أو سياسي.
**حقل ليفايثان: الاكتشاف والسيطرة وتسليح الطاقة**
اكتُشف **حقل ليفايثان** عام 2010، ويُعد من أكبر الاكتشافات البحرية الحديثة باحتياطيات تتجاوز **620 مليار متر مكعب**. يقع الحقل على بعد نحو 130 كلم غرب الساحل الفلسطيني الخاضع لسيطرة الاحتلال، ودخل الإنتاج التجاري عام 2019.
تُشغِّله شركة **Chevron** بالشراكة مع **NewMed Energy** (ديليك سابقًا) و**Ratio Oil Exploration**³. ومنذ البداية، لم يُنظر إلى ليفايثان كمصدر محلي فحسب، بل كعمود فقري لاستراتيجية تصدير إقليمية تهدف إلى إعادة تموضع إسرائيل كمركز طاقة لا غنى عنه يربط أوروبا بالأسواق العربية وسلاسل الغاز المُسال العالمية.
**تراجع الطاقة في مصر: من مُصدِّر إلى مُستورِد**
**وهم الاكتفاء الذاتي**
أوحى اكتشاف **حقل ظهر** عام 2015 بإمكان موازنة الصعود الإسرائيلي. غير أن خطاب الاكتفاء الذاتي أخفى اختلالات بنيوية:
تراجع إنتاج الحقول القديمة، سوء الإدارة، تسارع الطلب المحلي، وضغوط مالية خانقة. بحلول أوائل العقد 2020، تآكل الفائض، وتذبذبت صادرات الغاز المُسال، وعادت الاختناقات الكهربائية، مع اعتماد متزايد على الاقتراض بدل الإصلاح القطاعي .
**مسار التبعية التعاقدية**
بدأ التحول الحاسم عام **2018** مع استيراد الغاز الإسرائيلي عبر وسطاء مثل **Dolphinus**. وفي آب/أغسطس 2025 وُقِّع الاتفاق الكبير الخاص بليفاياثان، وصودق عليه في كانون الأول/ديسمبر، مُقيدًا مصر بالتزام شراء يمتد **15 عامًا**، ويضمن لإسرائيل سوقًا ثابتة بغضّ النظر عن التطورات السياسية .
هكذا تحوّلت البنى التحتية المصرية—الأنابيب ومحطات التسييل—إلى امتداد لوجستي لاستراتيجية الطاقة الإسرائيلية.
**الكلفة على مصر: دين، تبعية، وتآكل السيادة**
تُسدد المدفوعات بعملات أجنبية في سياق شحّ الدولار وارتفاع التضخم وتراكم الدين الخارجي، ما يفاقم أزمة ميزان المدفوعات . وستُحمَّل الكلفة إمّا على المستهلكين (أسعار كهرباء وطاقة أعلى)، أو على الخزينة عبر دعم إضافي، بما يزيد العجز.
الأخطر هو تآكل **السيادة الطاقوية**: حين تصبح الكهرباء والصناعة رهينتين لغاز مصدره دولة معادية تاريخيًا، تتقلص القدرة على القرار المستقل.
**مكاسب إسرائيل: الإيرادات والرافعة الجيوسياسية واقتصاد الحرب**
تضمن الصفقة لإسرائيل: • **34–35 مليار دولار** إيرادات طويلة الأمد • طلبًا مستقرًا حتى 2040 • نفوذًا سياسيًا مُعزَّزًا
• ترسيخًا لمصداقية التوريد عالميًا
تشير **فايننشال تايمز** إلى أن العائدات الضريبية والإتاوات ستدعم المالية العامة، بما يغذي القطاعين العسكري والأمني خلال حرب ممتدة . عمليًا، يتحول الاستهلاك المصري للطاقة إلى ركيزة لاقتصاد الحرب الإسرائيلي.
**نزاع كاريش–قانا: لبنان، حقوق مُدارة وسيادة مُحتواة**
لا يكتمل فهم الصفقة المصرية دون مقارنتها بنزاع **كاريش–قانا** بين لبنان وإسرائيل.
طوّرت إسرائيل **كاريش** أحاديًا ودخل الإنتاج عام 2022 عبر **Energean**، فيما اعترض لبنان قبل ترسيم الحدود محذرًا من الاستخراج الأحادي .
بموجب الاتفاق المُتوسَّط أميركيًا (تشرين الأول/أكتوبر 2022): • احتفظت إسرائيل بكاريش • نال لبنان حق استكشاف **قانا** • استحقّت إسرائيل تعويضًا ماليًا غير مباشر من أي عائدات لقانا عبر **TotalEnergies**
**هل استعاد لبنان حقوقه؟**
قانونيًا، حصل لبنان على حق استكشاف معترف به دوليًا دون تطبيع مباشر—وهذا فارق عن الحالة المصرية. لكن المكاسب **جزئية ومقيّدة**: لم يُستخرج غاز فعلي حتى 2025، والإنتاج مؤجل بعوامل مخاطر واستقرار وضغوط سياسية. بالمقابل، إنتاج إسرائيل فوري ومُسيَّل ومُصدَّر. الخلاصة: لبنان نال **وصولًا قانونيًا** لا **سيادة طاقوية**.
**مقارنة مصر–لبنان**
الفارق الحاسم هو **الردع**: مكاسب لبنان المحدودة ارتبطت بتهديدات مقاومة موثوقة، فيما فاوضت مصر من موقع امتثال.
**غزة والقطيعة الأخلاقية لتطبيع الطاقة**
أُقرت الصفقة بينما كانت غزة تحت حصار شامل بلا كهرباء أو وقود. الطاقة هنا ليست محايدة؛ إنها مُسلَّحة.
ورغم ادعاء الوساطة، لم تربط القاهرة الاتفاق بأي التزام إنساني. من منظور محور المقاومة، هذا **تواطؤ اقتصادي** يشرعن العدوان.
**الطاقة كهيمنة: قراءة في الاقتصاد السياسي**
تُجسِّد الصفقة **أمننة الطاقة**: تحويل المورد الطبيعي إلى أداة ضبط وتطبيع وتمويل حرب. إنها نمط نيوليبرالي–استعماري جديد: بنى تحتية وأسواق في الأطراف، وقيمة مُستخرَجة ونفوذ في المركز.
**الخاتمة: ضد جغرافيا التبعية**
ليست الصفقة عقدًا اقتصاديًا فحسب؛ إنها بنية هيمنة تُعيد تشكيل القوة الإقليمية. تُحوِّل مصر إلى مُستهلِك تابع، وتموّل العسكرة الإسرائيلية، وتتجاهل غزة. تُظهر حالة لبنان أن المقاومة قد تنتزع حقوقًا جزئية، فيما تُنتج الامتثالية تبعية. السيادة الطاقوية لا تنفصل عن الرافعة السياسية.