من التحالف إلى الصدام: كيف تحوّل اليمن إلى ساحة صراع سعودي–إماراتي مكشوف؟

🔴**من التحالف إلى الصدام: كيف تحوّل اليمن إلى ساحة صراع سعودي–إماراتي مكشوف؟**
لم تعد الحرب على اليمن مجرد عدوان خارجي تشنه دول التحالف بقيادة السعودية، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى **مرآة فاضحة للتناقضات البنيوية داخل المعسكر الخليجي نفسه**. فالأزمة المستجدة بين الرياض وأبو ظبي، والتي بلغت ذروتها مع **استهداف القوات السعودية لسفينة يُشتبه بحملها أسلحة داخل المياه اليمنية واعتبارها “تهديدًا للأمن”**، تكشف أن اليمن لم يكن يومًا مشروع “إعادة شرعية”، بل ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وتقاسم النفوذ.
**أولًا: كيف بدأ التحالف… وكيف انهار؟**
عند انطلاق العدوان على اليمن عام 2015، بدا التحالف السعودي–الإماراتي متماسكًا ظاهريًا، مدعومًا بغطاء أمريكي–غربي كامل، وتحت شعارات “مواجهة النفوذ الإيراني” و”حماية الأمن القومي العربي”. غير أن هذا التحالف لم يكن قائمًا على رؤية استراتيجية موحدة، بل على **تقاطع مصالح مؤقتة** سرعان ما تفكك.
السعودية دخلت الحرب بدافع الهواجس الأمنية والحدودية، وسعيًا لفرض يمن ضعيف، تابع، ومنزوع القدرة على القرار السيادي. أما الإمارات، فقد تعاملت مع اليمن كـ **فرصة جيوسياسية واقتصادية**: موانئ، جزر، خطوط ملاحة، ونفوذ طويل الأمد يتجاوز حدود اليمن إلى القرن الإفريقي وباب المندب.
مع مرور الوقت، تحولت الشراكة إلى **تنافس صامت**، ثم إلى صدام غير مباشر، قبل أن يطفو الخلاف اليوم إلى السطح بشكل أكثر وقاحة.
**ثانيًا: اليمن ليس حربًا أهلية… بل غنيمة متنازع عليها**
حادثة السفينة التي استهدفتها القوات السعودية لا يمكن قراءتها كحدث أمني معزول. إنها **تعبير مكثف عن انهيار الثقة بين شريكي العدوان**. فحين تعتبر الرياض شحنة أسلحة داخل اليمن تهديدًا، فهي عمليًا تقول إن من يتحكم بالسلاح والنفوذ داخل اليمن لم يعد تحت سيطرتها.
الإمارات، عبر دعمها لقوى محلية ومليشيات انفصالية، خاصة في الجنوب، سعت إلى **تفكيك الدولة اليمنية** وتحويلها إلى كانتونات خاضعة لنفوذها البحري والتجاري. في المقابل، وجدت السعودية نفسها عالقة في مستنقع استنزاف بلا أفق، بعد أن فشلت في تحقيق أي نصر عسكري أو سياسي.
اليمن هنا ليس دولة ذات سيادة في حسابات الطرفين، بل **ساحة تقاسم نفوذ**، يدفع شعبها ثمنه حصارًا وجوعًا ودمارًا.
**ثالثًا: صراع الأجندات… من الحدود إلى الموانئ**
يكمن جوهر الخلاف السعودي–الإماراتي في **طبيعة المشروع الإقليمي لكل طرف**: • **السعودية** تسعى إلى يمن مركزي ضعيف، منزوع القرار، يشكل منطقة عازلة تحمي حدودها الجنوبية. • **الإمارات** تسعى إلى يمن مفكك، تتحكم من خلاله بالموانئ، والجزر، وخطوط الملاحة، من عدن إلى سقطرى، وصولًا إلى باب المندب.
هذا التناقض جعل من جنوب اليمن بؤرة صراع مفتوحة، وأفرغ خطاب “التحالف” من أي مضمون سياسي أو أخلاقي.
**رابعًا: واشنطن وتل أبيب… إدارة الفوضى لا إنهاؤها**
في ظل هذه الأزمة، يبرز السؤال: **هل ستسمح الولايات المتحدة بتصعيد الخلاف؟**
تاريخيًا، لا ترى واشنطن في الانقسامات الخليجية مشكلة، بل **أداة ضبط وسيطرة**. إدارة دونالد ترامب، المعروفة بعقليتها التجارية والأمنية، لن تسمح بانفجار شامل يهدد أسواق الطاقة أو أمن “إسرائيل”، لكنها في الوقت نفسه **لا تسعى لحل جذري**، بل لإدارة التناقضات بما يخدم مصالحها وصفقات السلاح.
أما “إسرائيل”، فهي المستفيد الصامت من هذا التصدع. فكلما انشغلت السعودية والإمارات بصراعات جانبية، تعززت: • هيمنتها على معادلات الأمن البحري، • شراكاتها الاستخباراتية مع الخليج، • وموقعها كركيزة في مواجهة محور المقاومة.
التطبيع هنا ليس مسار سلام، بل **جزء من إعادة هندسة المنطقة على حساب شعوبها**.
**خامسًا: اليمن ومحور المقاومة… عندما ينقلب السحر على الساحر**
المفارقة الكبرى أن هذا الصراع داخل المعسكر المعتدي قد **عزز من موقع قوى المقاومة اليمنية**، التي أثبتت، رغم الحصار والعدوان، قدرتها على الصمود وفرض معادلات ردع جديدة.
التصدع الخليجي يكشف: • فشل المشروع الأمريكي–الخليجي في إخضاع اليمن، • هشاشة التحالفات المبنية على المصالح لا المبادئ، • وحدود القوة العسكرية حين تواجه إرادة شعبية مقاومة.
من هذا المنظور، لا يبدو اليمن اليوم الحلقة الأضعف، بل **ساحة فضح للنظام الإقليمي التابع**.
**سادسًا: إلى أين تتجه الأزمة؟**
الخلاف السعودي–الإماراتي ليس تكتيكيًا عابرًا، بل **بنيوي وعميق**. قد يُحتوى مرحليًا عبر تفاهمات أمريكية، لكنه سيظل قابلًا للانفجار طالما بقي اليمن ساحة احتلال غير مباشر.
السيناريوهات المحتملة تتراوح بين: • إدارة تنافس منخفض الحدة، • تصعيد غير مباشر عبر الوكلاء، • أو إعادة تموضع قسري بفعل تطورات الميدان لصالح محور المقاومة.
في جميع الأحوال، الثابت الوحيد هو أن **مشروع العدوان على اليمن فشل**، وأن تصدعاته الداخلية باتت أكثر خطورة على أصحابه من خصومه.
📌خاتمة
ما يجري بين السعودية والإمارات ليس خلافًا عابرًا، بل **علامة على نهاية مرحلة وبداية أخرى** في الإقليم: مرحلة تتراجع فيها الهيمنة، وتتعزز فيها قوى المقاومة، وتُعاد فيها كتابة معادلات القوة من خارج إرادة واشنطن وتل أبيب.
اليمن، الذي أُريد له أن يكون ساحة إخضاع، يتحول اليوم إلى **شاهد على سقوط أوهام التحالف**، وإلى أحد ميادين التحول في ميزان الصراع الإقليمي.