نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي

🔴**نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي**
لم يُمحَ منصب **نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي** من التداول لأن الحاجة إليه انتفت، بل لأن استحضاره بات مُحرجاً. الإحراج هنا ليس إدارياً ولا تنظيمياً، بل سياسي وأخلاقي بامتياز، لأنه يقود مباشرة إلى اسم أبي مهدي المهندس، وإلى جريمة اغتيال وقعت على أرض العراق، وإلى طبقة سياسية قررت، بوعي كامل، أن تُدير ظهرها للاستحقاق بدل أن تواجهه.
هذا المنصب لم يكن تفصيلاً بيروقراطياً ولا عنواناً شرفياً. كان موقعاً مركّباً، جمع بين رئاسة الأركان، والقيادة الميدانية العليا، وإدارة المعركة سياسياً وعسكرياً في أخطر لحظة مرّ بها العراق الحديث. حين انهارت قطعات الجيش، وسقطت المدن تباعاً، وتقدّم الإرهاب على أكثر من نصف الجغرافيا، لم يكن أبو مهدي المهندس “واجهة رمزية”، بل كان عقل الحرب ومحورها: يخطط، وينسق، ويوفر، ويمسك بخيوط القرار من الميدان إلى البرلمان والحكومة. هذا الثقل هو ما جعل المنصب مرتبطاً بشخصه، لا لأن المؤسسات تُبنى على الأفراد، بل لأن الدولة نفسها كانت غائبة، فملأ الفراغ من امتلك الكفاءة والإرادة.
صحيح أن هذا الموقع كان استثنائياً، وربما نعم، لا أحد استطاع – ولا يستطيع حتى الآن – أن يشغله بذات الخصوصية وذلك المزيج المعقّد من الخبرة العسكرية، والحنكة السياسية، والامتداد الإقليمي. لكن هذه الحقيقة، مهما كانت وجيهة، لا تبرر ما جرى لاحقاً. فغياب البديل لا يفسّر تغييب المنصب نفسه. هنا لا نتحدث عن عجز تقني، بل عن قرار سياسي واعٍ بإلغاء الموقع من الذاكرة الرسمية، لأن بقاءه يفتح ملفاً لا يرغب كثيرون في الاقتراب منه.
الأخطر أن هذا التغييب ترافق مع إعادة هندسة متعمدة للغة الخطاب. يفضّل عدد غير قليل من السياسيين استخدام تعبير «**قادة النصر**» بدل ذكر الأسماء والمناصب بوضوح. هذا الاختيار اللغوي ليس بريئاً ولا عفوياً؛ إنه توصيف فضفاض، أقل كلفة قانونية وسياسية، يسمح بتعميم الإنجاز وتذويبه، ويُجنّب الاعتراف الصريح بأن شخصية عراقية رسمية بحجم نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي قد استُهدفت في عملية اغتيال أمريكية مباشرة على الأرض العراقية.
ومن هنا تبدأ عملية التخفيف المنهجي للمسؤولية. فمنذ اليوم الأول، جرى الترويج لفكرة أن المستهدف لم يكن أبو مهدي المهندس، بل الفريق قاسم سليماني، في تجاهل متعمد لتسريبات وتصريحات صدرت من داخل الإدارة الأمريكية نفسها، وعلى رأسها توصيف الرئيس الأمريكي ترامب للعملية بأنها “هدفان مقابل ثمن واحد”. إنكار استهداف المهندس ليس خطأً في التقدير، بل محاولة مقصودة لتحويل الجريمة من اعتداء على السيادة العراقية إلى ملف إقليمي ملتبس، تُلقى تبعاته خارج الحدود.
بهذه الطريقة، يُدمَج اسم المهندس قسراً باسم سليماني، ويُقدَّم كأنه مرافق أو تفصيل ثانوي، لا مسؤول عراقي رسمي. والنتيجة واضحة: تهرّب من واجب المتابعة القانونية والسياسية لجريمة اغتيال مواطن وقائد عسكري عراقي، وتفادي أي مواجهة جدية مع الولايات المتحدة، التي لا تُخفي أصلاً استخفافها بالطبقة السياسية في بغداد.
حتى القرار القضائي العراقي بإلقاء القبض على دونالد ترامب لم يكن استثناءً عن هذا المسار. صدر ليُسجَّل لا ليُنفَّذ، وتحول سريعاً إلى حبر على ورق، في ظل استمرار اللقاءات السياسية، وذروة العبث السياسي حين أقدم رئيس الوزراء العراقي على ترشيح ترامب لجائزة نوبل للسلام. هنا لا يعود الصمت حياداً، بل يصبح اشتراكاً فعلياً في إفراغ العدالة من مضمونها.
الخلاصة لا تحتاج إلى تلطيف لغوي: لم يُغَيَّب منصب نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي لأن صاحبه لا يُعوَّض فحسب، بل لأن تغييب المنصب يخدم هدفاً واضحاً، هو دفن أسئلة السيادة، والاغتيال، والمسؤولية السياسية. الطبقة الحاكمة اختارت إدارة الذاكرة بدلاً من مواجهة الحقيقة، وفضّلت السلامة مع الخارج على الاعتراف بجريمة داخل حدودها. وهذا ليس تقصيراً عابراً، بل فشل سيبقى مسجلاً في السجل السياسي والأخلاقي للدولة العراقية.