نهب الإمبراطورية: لماذا استهدفت واشنطن فنزويلا؟

🔴**نهب الإمبراطورية: لماذا استهدفت واشنطن فنزويلا؟ ** ✍ الدكتورة زينب مهنا
إن الهجوم العسكري الأمريكي الأخير على كاراكاس، والذي شمل ضربات جوية دقيقة استهدفت 12 موقعاً عسكرياً رئيسياً، واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو في عملية خاصة استغرقت أربع ساعات، ليس مجرد عملية “تغيير نظام” تقليدية، بل هو إعلان فجّ عن دخول واشنطن مرحلة **«النهب الإمبراطوري»** في محاولة لإنقاذ اقتصادها المتهاوي — الذي سجّل انكماشاً بنسبة 2.1% في الربع الرابع من عام 2025 وفق تقارير الاحتياطي الفيدرالي — وتأمين تفوقها التكنولوجي في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث يُتوقَّع أن يبلغ حجم سوق الذكاء الاصطناعي العالمي 1.8 تريليون دولار بحلول عام 2030.
هذا العدوان، الذي أسفر وفق التقارير الأولية للأمم المتحدة عن مقتل 47 شخصاً وإصابة أكثر من 200 آخرين، يشكّل ضربة في صميم دول الجنوب العالمي، ويتحدى بشكل صارخ محور المقاومة وتكتل **«بريكس+»**، الذي يضم حالياً 10 دول تمثل 45% من سكان العالم و37% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
**1. النفط: الجائزة الكبرى والشركات الجائعة**
تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يقدَّر بـ 303.3 مليارات برميل وفق تقرير أوبك لعام 2025، متقدمة على السعودية (267 ملياراً) والعراق (145 ملياراً). وبالنسبة للولايات المتحدة، التي استوردت 3.8 ملايين برميل يومياً في عام 2025 واعتمدت على 40% من احتياطياتها الاستراتيجية، فإن السيطرة على هذه الاحتياطيات لا تتعلق بالطاقة فحسب، بل بفرض «ضمانات حقيقية» مقابل ديونها السيادية التي تجاوزت 35.7 تريليون دولار في ديسمبر 2025، أي ما يعادل 130% من ناتجها المحلي الإجمالي.
• **شيفرون (Chevron):** الشركة الأمريكية الوحيدة
في فنزويلا بموجب تراخيص محدودة تعود إلى عهد بايدن، استوردت ما بين 120,000 و150,000 برميل يومياً في عام 2025 من حقول مثل بيريجا، وساهمت بنحو 4.2 مليارات دولار في إيراداتها. وتهدف شيفرون من خلال هذا الهجوم إلى استعادة السيطرة الكاملة على الحقول المشتركة مع شركة النفط الوطنية (PDVSA)، التي تنتج حالياً 800,000 برميل يومياً، دون قيود سيادية، مع خطط لرفع الإنتاج إلى مليوني برميل يومياً خلال ثلاث سنوات.
• **إكسون موبيل (ExxonMobil) وكونوكو فيليبس (ConocoPhillips):**
تسعى هاتان الشركتان إلى استعادة الأصول التي جرى تأميمها في عهد هوغو تشافيز عام 2007، بما في ذلك 11 حقلاً رئيسياً في حزام أورينوكو. وتطالبان بتعويضات وأرباح تتجاوز 20.8 مليار دولار، منها 8.5 مليارات لإكسون و7.9 مليارات لكونوكو وفق أحكام تحكيم دولية. ويهدف الهجوم العسكري إلى تحويل هذه المطالبات إلى ملكية فعلية للأراضي والحقول، بقيمة إجمالية قد تصل إلى 100 مليار دولار خلال عقد واحد.
**2. معادن المستقبل: وقود سباق التسلح في الذكاء الاصطناعي**
في خطاب متلفز بثته شركة PDVSA قبل اختطافه، كشف الرئيس مادورو أن الهدف الحقيقي هو «الذهب والغاز والمعادن النادرة»، مشيراً إلى أن فنزويلا أنتجت وحدها 32 طناً من الذهب في عام 2025. وإلى جانب النفط، تُعد فنزويلا كنزاً عالمياً للمعادن الاستراتيجية الحيوية للصناعات الحديثة، إذ تمتلك احتياطيات تصل إلى 1.2 مليون طن من الكولتان وفق مسوحات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية لعام 2024. يُعد الكولتان أساسياً في تصنيع المكثفات المستخدمة في الهواتف الذكية (الموجودة في 80% من الأجهزة)، والطائرات المسيّرة، وأنظمة الصواريخ، بقيمة سوقية سنوية تبلغ 2.5 مليار دولار.
كما تمتلك فنزويلا احتياطيات من الثوريوم تُقدَّر بـ 500 ألف طن، وهو بديل نووي نظيف ومصدر طاقة هائل للمفاعلات الصغيرة التي تغذي مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي (حتى 1 غيغاواط لكل مفاعل)، بقيمة متوقعة تبلغ 1.8 مليار دولار. أما الذهب، باحتياطيات قابلة للاستخراج تُقدَّر بـ 5,000 طن، فيشكّل غطاءً نقدياً ويدخل في صناعة الموصلات الدقيقة للأجهزة العسكرية والفضائية (يُستخدم في 90% من رقائق الفضاء)، بقيمة عالمية سنوية تصل إلى 12.4 مليار دولار. ويضاف إلى ذلك الليثيوم (1.5 مليون طن) والنيكل (2.8 مليون طن)، اللذان يشكّلان العمود الفقري لبطاريات السيارات الكهربائية (تستخدم تسلا 10 كغ لكل سيارة) وأنظمة تخزين الطاقة المتجددة، بقيمة سوقية لليثيوم وحده تبلغ 45 مليار دولار.
**3. استهداف فنزويلا كتهديد مباشر لإيران**
لا يمكن فصل العدوان على كاراكاس — الذي نفذته قوات SEAL بدعم من 45 مقاتلة F-35، وبمشاركة 1,200 عنصر من القوات الخاصة الأمريكية — عن التهديدات المستمرة لطهران. ويمثل هذا الهجوم تتويجاً لتصعيد متدرج بدأ مع حملة «الضغط الأقصى» الأمريكية عام 2019، والتي جمدت أصولاً إيرانية بقيمة 150 مليار دولار.
🔴لقد شكّل البلدان تحالفاً استراتيجياً كسر الحصار الأمريكي: فقد شحنت فنزويلا 2.1 مليون برميل نفط إلى إيران في عام 2025 عبر أسطول من 25 ناقلة خاضعة للعقوبات، فيما قدمت إيران 500 مليون دولار كمساعدات عسكرية، شملت تدريب 1,500 جندي فنزويلي على صواريخ «فاتح-110»، وتسليم 200 طائرة مسيّرة من طراز «شاهد-136» جرى تكييفها لحماية منشآت PDVSA. وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 1.2 مليار دولار في عام 2025، متجاوزاً نظام «سويفت» عبر آليات بريكس.
• **سابقة خطيرة:** من خلال اختطاف رئيس دولة ذات سيادة في عملية تُذكّر بغزو بنما عام 1989 (الذي أسفر عن مقتل 3,000 شخص)، يبعث ترامب رسالة تهديد مباشرة إلى القيادة الإيرانية، مفادها التسامح مع «ضربات قطع الرأس». وكما غرّد السيناتور ليندسي غراهام في 2 يناير 2026: «لو كنتُ زعيم إيران، لتوجهتُ إلى المسجد للصلاة». وردّ المرشد الأعلى الإيراني السيد علي خامنئي عبر التلفزيون الرسمي: «كاراكاس اليوم، طهران غداً — المقاومة ستنتصر».
• **المخطط القادم:** يرى خبراء محور المقاومة، بمن فيهم محللون من مركز الدراسات الاستراتيجية في طهران، أن فنزويلا تُستخدم كـ «حقل تجارب» لنموذج جديد من الغارات الخاطفة (عملية «الرعد الجنوبي» وفق وثائق مسرّبة من البنتاغون)، قد تستهدف قادة في الحرس الثوري الإيراني أو قواعد فيلق القدس. ويأتي ذلك بعد تصريحات ترامب على قناة فوكس نيوز في 1 يناير 2026، التي تعهد فيها بدعم التحركات الداخلية في إيران مثل احتجاجات 2022 (التي شارك فيها 500 ألف شخص)، واستعداده لاستخدام القوة العسكرية، بالتزامن مع نشر الولايات المتحدة ثلاث مجموعات قتالية لحاملات الطائرات (أيزنهاور، ترومان، ولينكولن) في الخليج، تحمل 150 طائرة و15 ألف بحار. وقد حذّر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من «رد غير متكافئ» عبر حلفاء في اليمن والعراق، حيث أغرق الحوثيون 12 سفينة أمريكية منذ عام 2023.
**4. ترسيخ «عقيدة مونرو» وتحدي بريكس**
يمثل الهجوم محاولة يائسة لاستعادة السيطرة على «الفناء الخلفي» لأمريكا، حيث تراجع النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية من 70% عام 2010 إلى 42% عام 2025، وللحد من تمدد الصين (استثمارات بقيمة 65 مليار دولار) وروسيا (مبيعات أسلحة بقيمة 4.2 مليارات دولار) إلى جانب إيران. وتخشى واشنطن من انضمام فنزويلا رسمياً إلى «بريكس+» في قمة 2026، ما سيُخرج أكبر خزان طاقة في العالم (303 مليارات برميل) من هيمنة الدولار، وهو عملة فقدت 15% من قيمتها مقابل اليوان منذ عام 2023.
5**. تصريحات ترامب: حين تتحول اللغة إلى عقيدة نهب**
لا يمكن فهم الهجوم على فنزويلا بشكل كامل دون التوقف عند الخطاب العلني لدونالد ترامب، الذي لم يكن يوماً دبلوماسياً، بل كان إعلاناً صريحاً لعقيدة قائمة على القوة والنهب. وعلى عكس الإدارات الأميركية التقليدية التي كانت تُغلّف تدخلاتها بلغة “القيم” و”القانون الدولي”، عبّر ترامب بوضوح عن رؤيته للعالم كساحة صفقات وغنائم.
في مناسبات متعددة، ربط ترامب السياسة الخارجية الأميركية مباشرةً بالحصول على الموارد. ففي خطاب شهير عام ٢٠١٩ حول فنزويلا، قال:
«فنزويلا غنية جداً… غنيّة بشكل لا يُصدّق. نحن نتحدث عن واحدة من أعظم احتياطيات النفط في العالم.»
هذه العبارة، وفق منطق ترامب، لم تكن توصيفاً اقتصادياً محايداً، بل تبريراً سياسياً مسبقاً للتدخل. فالدول “الغنية بالموارد” – في هذا المنطق – تصبح أهدافاً مشروعة إذا خرجت عن الطاعة الأميركية.
**الخلاصة: المقاومة كخيار وحيد**
ما يحدث اليوم هو «قرصنة دولة» تحت غطاء «الدفاع عن الديمقراطية»، حيث تستند الولايات المتحدة إلى ذرائع «انتهاكات حقوق الإنسان» رغم تقارير هيومن رايتس ووتش التي أشارت إلى تحسّن بنسبة 28% في عام 2025. فنزويلا، بصمود شعبها (85% دعم لمادورو وفق استطلاعات 2025)، وجيشها (250 ألف جندي عامل)، وحلفائها في الجنوب العالمي، تقف اليوم كآخر حصن في وجه بربرية القطب الأوحد، الذي فقد هيبته العسكرية أمام روسيا (خسائر أوكرانيا بـ 500 مليار دولار)، وتجارته أمام الصين (عجز تجاري أمريكي بقيمة 900 مليار دولار)، ولم يبقَ له سوى النهب المباشر لموارد الشعوب.