عقيدة مونرو: التاريخ، الإحياء، والجيوسياسة المعاصرة

🔴**عقيدة مونرو: التاريخ، الإحياء، والجيوسياسة المعاصرة
**تظل عقيدة مونرو واحدة من أكثر الأطروحات استمرارية ومرونة في العلاقات الدولية. فبعد أن بدأت كإطار دفاعي في القرن التاسع عشر، تطورت لتصبح رمزاً للهيمنة في نصف الكرة الغربي، ومؤخراً، مخططاً لإدارة التراجع الأمريكي في عالم متعدد الأقطاب.
**1. الأصول والسياق التاريخي
**صاغ الرئيس جيمس مونرو هذه العقيدة في 2 ديسمبر 1823، في حقبة ما بعد نابليون حيث هدد "الحلف المقدس" (روسيا، بروسيا، والنمسا) باستعادة الحكم الاستعماري الإسباني في الجمهوريات اللاتينية المستقلة حديثاً.
• **الأهداف الأصلية:** وضعت ركيزتين: **عدم الاستعمار** (لا مستعمرات أوروبية جديدة في الأمريكتين) و**عدم التدخل** (بقاء واشنطن محايدة في حروب أوروبا مقابل ابتعاد أوروبا عن الشؤون الأمريكية).
• **التطور التوسعي:** بينما كانت في البداية "درعاً"، تحولت بحلول منتصف القرن التاسع عشر إلى "سيف" للتوسع، مبررة الحرب المكسيكية الأمريكية وإزاحة السكان الأصليين.
• **إعادة التفسير عبر التاريخ:**
• **نتيجة روزفلت (1904):** أكد ثيودور روزفلت "سلطة الشرطة" للتدخل في دول أمريكا اللاتينية لمنع الدائنين الأوروبيين من القيام بذلك، محولاً العقيدة إلى تفويض للتدخل العسكري.
• **الحرب الباردة:** استُخدمت لتبرير احتواء النفوذ السوفيتي (مثل انقلاب غواتيمالا 1954 وأزمة الصواريخ الكوبية 1962).
• **ما بعد الحرب الباردة:** أعلن وزير الخارجية كيري في 2013 أن "حقبة مبدأ مونرو قد انتهت"، قبل أن تعود للظهور مجدداً.
**2. العواقب والإرث **يُعرف إرث العقيدة بالتوتر العميق بين النوايا الحمائية والممارسة الإمبريالية.
• **التدخلية:** وفرت البنية الأيديولوجية لأكثر من 50 تدخلاً عسكرياً أمريكياً في المنطقة، مما عزز "هياكل التبعية" حيث دُمجت اقتصادات أمريكا اللاتينية كمصدر للمواد الخام.
• **الأثر المعياري:** تاريخياً، تحدت العقيدة مفهوم السيادة المطلقة (وستفاليا)، حيث أنشأت نظاماً قانونياً إقليمياً يتجاوز القانون الدولي أحياناً تحت ذريعة "العلاقة الخاصة".
**3. إحياء ترامب: من "مونرو" إلى "دونرو" **أعاد دونالد ترامب صراحةً إحياء العقيدة للإشارة إلى العودة إلى "الواقعية المبدئية" وترسيخ النفوذ الإقليمي.
فعقيدة دونرو" هي مصطلح استحدثه ترامب عبر دمج اسمه _دونالد_ مع "عقيدة مونرو" لترسيخ هيمنته الشخصية والسياسية المطلقة على نصف الكرة الغربي، لا سيما بعد تدخلاته في فنزويلا.
• **سياق الإحياء:** استشهد بها ترامب لأول مرة في خطاب الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2018، قائلاً: "لقد كانت سياسة بلدنا الرسمية منذ الرئيس مونرو أننا نرفض تدخل الدول الأجنبية في هذا النصف من الكرة الأرضية".
• **"نتيجة ترامب":** اعتباراً من أواخر عام 2025 وأوائل عام 2026، أعادت الإدارة تسميتها بـ **"عقيدة دونرو"** (Donroe Doctrine). وخلافاً للنسخ السابقة القائمة على الأيديولوجيا، فإن هذه النسخة براغماتية وقائمة على الموارد.
• **القصد الاستراتيجي:** تعمل كأداة لـ **إدارة التراجع**. من خلال التخلي عن أدوار "الشرطي العالمي" في مناطق أخرى، يسعى ترامب لترسيخ "حصن الأمريكتين" لمواجهة التغلغل الاقتصادي الصيني والروابط الأمنية الروسية.
**4. ألكسندر دوغين ومفهوم "عقيدة مونرو الأوراسية" **دعا الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين منذ فترة طويلة إلى "عقيدة مونرو أوراسية" كحجر زاوية لأيديولوجيته الأوراسية الجديدة.
• **المنطق:** يجادل دوغين بأنه إذا كانت الولايات المتحدة تطالب بنصف الكرة الغربي، فيجب على روسيا المطالبة بـ "أوراسيا الكبرى" كمجال حضاري حصري لها.
• **التعددية القطبية:** الرؤية هنا ليست للهيمنة العالمية، بل لـ "عالم مليء بـ (مونروات) متعددة"، حيث يُستبدل النظام العالمي الشامل بمناطق نفوذ تقودها قوى إقليمية مهيمنة.
• **المقارنة:** النسخة الأمريكية تاريخياً كانت تدعي نشر الجمهوريات، بينما نسخة دوغين تتجذر في "القيم الحضارية" ورفض الديمقراطية الليبرالية كمعيار عالمي.
**5. التداعيات على أوروبا والاتحاد الأوروبي **يشكل صعود العقائد "المونروية" المتنافسة تهديداً هيكلياً لـ "الاستقلال الاستراتيجي" الأوروبي.
• **فك الارتباط الاستراتيجي:** مع إعطاء الولايات المتحدة الأولوية لنصف كرتها الخاص، يضطر الاتحاد الأوروبي للاختيار بين أن يصبح شريكاً ثانوياً في كتلة أطلسية تقودها أمريكا أو تطوير قدرات عسكرية مستقلة تماماً.
• **أوروبا الشرقية:** تصبح منطقة "صدع" حيث تتداخل مناطق النفوذ الروسية والغربية، مما يؤدي إلى عدم استقرار مستمر والعودة إلى سياسة "الدول العازلة".
**6. أمريكا اللاتينية والسياسة الأمريكية المستقبلية **تشير أحداث 2025-2026 إلى أن إعادة التطبيق الفعلي للعقيدة في عهد ترامب باتت واقعاً.
• **استهداف الصين:** تحول التركيز من "مكافحة الشيوعية" إلى "مكافحة البنية التحتية الصينية"، حيث تستخدم واشنطن العقيدة لعرقلة مشاريع "الحزام والطريق".
🔴ا**لأبعاد العسكرية: **تشير التحركات الأمريكية الأخيرة في أوائل عام 2026 إلى استعداد لاستخدام القوة "لتطهير" النصف الغربي من النفوذ الخارجي.
7. التقييم النظري والمعياري
إن تطبيع عقائد مونرو مجدداً يشير إلى تراجع عن النظام الدولي القائم على القواعد نحو **نظام إمبريالي مركنتلي جديد**. إن الانتقال إلى التعددية القطبية لا يؤدي إلى "[قرية عالمية"،](https://t.me/almuraqb/348) بل إلى عالم مجزأ إلى مجالات نفوذ محصنة، مما يقوض سيادة الدول الصغيرة الواقعة في "الجوار القريب" للقوى العظمى.
**الامتداد إلى العالم العربي والإسلامي: "عقيدة أيزنهاور" والتحول نحو الشرق
**على الرغم من أن مبدأ مونرو صُمم جغرافياً للأمريكتين، إلا أن "منطقه الجيوسياسي" (أي فرض مناطق نفوذ حصرية ومنع القوى الأجنبية من التدخل) انتقل إلى الشرق الأوسط في منتصف القرن العشرين.
• **عقيدة أيزنهاور (1957) كمبدأ مونرو "شرق أوسطي":** بعد أزمة السويس عام 1956( المعروفة في العالم العربي بـ **"العدوان الثلاثي"**، كانت صراعاً عسكرياً وسياسياً دولياً وقع في عام 1956، وشكل نقطة تحول كبرى في موازين القوى العالمية) ، أعلن الرئيس دوايت أيزنهاور أن الولايات المتحدة ستستخدم القوة العسكرية لمساعدة أي دولة في الشرق الأوسط تطلب المساعدة ضد "العدوان الشيوعي". كان هذا الإعلان بمثابة استنساخ لمبدأ مونرو؛ حيث سعت واشنطن لملء "الفراغ" الذي تركه الاستعمار البريطاني [والفرنسي،](https://t.me/almuraqb/348) ومنع الاتحاد السوفيتي من الدخول إلى المنطقة.
• **تطبيقه على الشعوب المسلمة:** استُخدم هذا المنطق لتبرير التدخلات في الدول ذات الأغلبية المسلمة تحت ذريعة حماية السيادة الإقليمية من النفوذ الخارجي، بينما كان الهدف الحقيقي هو تأمين تدفق النفط ودعم الأنظمة الحليفة. في عام 1958، أُرسلت القوات الأمريكية إلى لبنان بناءً على هذا المبدأ.
• **مبدأ كارتر وأمن الخليج الفارسي :** في عام 1980، وسّع الرئيس جيمي كارتر هذا المفهوم بشكل أوضح، معلناً أن أي محاولة من قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج الفارسي ستعتبر "هجوماً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة". يرى المحللون أن "مبدأ كارتر" هو في الواقع "مبدأ مونرو نفطي"، حيث رُسم خط أحمر حول الموارد الإسلامية بنفس الطريقة التي رُسم بها حول أراضي [أمريكا](https://t.me/almuraqb/348) اللاتينية.
• **الأثر على السيادة:** كما هو الحال في أمريكا اللاتينية، أدى هذا "المونرو الشرق أوسطي" إلى تهميش السيادة الوطنية للدول العربية والمسلمة، مما جعل المنطقة ساحة للتنافس بين القوى الكبرى، وهو ما أسهم في نشوء حركات المقاومة والقومية التي رفضت الوصاية الأمريكية.
**الخاتمة** :
تتمثل الخاتمة المنطقية لهذا التحليل في أن عودة "عقائد مونرو" بمسمياتها المختلفة—سواء كانت "دونرو" في واشنطن أو "أوراسيا" في موسكو—تؤذن بنهاية العولمة الليبرالية وبداية عصر **"الإقطاعية الجيوسياسية"**.
في هذا النظام الجديد، لم يعد التفوق يقاس بالقدرة على فرض قيم عالمية موحدة، بل بالقدرة على رسم حدود جغرافية واضحة ومنع الخصوم من اختراقها. بالنسبة للعالم العربي والإسلامي، فإن استمرار هذا المنطق يعني أن المنطقة ستظل رهينة لصراع "المجالات الحيوية"، حيث تُختزل سيادة الدول في مدى مواءمتها لمصالح القوى المهيمنة إقليمياً. إن مستقبل الاستقرار الدولي بات معلقاً على قدرة القوى الناشئة في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط على كسر هذا الطوق [المونروي،](https://t.me/almuraqb/348) والبحث عن نظام "متعدد الأقطاب" حقيقي لا يقوم على تقسيم العالم إلى محميات إمبريالية، بل على توازن سيادي يحمي الدول الصغيرة والمتوسطة من نزعات الهيمنة المتجددة.