النطاق الجغرافي:

**الفئة:** تحليل جيوسياسي / حروب الوكالة **النطاق الجغرافي:** سوريا – شمال البلاد (حلب ومحيطها) **الإطار الزمني:** مرحلة ما بعد “تجميد” الحرب السورية وإعادة فتح الجبهات (2023–2025) **الدول** : سوريا ، تركيا ، امريكا ، اسرائيل. **المنظمات والجماعات** • هيئة تحرير الشام (HTS) • قوات سوريا الديمقراطية (قسد) • الجيش العربي السوري • القوات الأمريكية في سوريا • فصائل مسلحة مدعومة إقليميًا
**حلب من جديد: صراع الجولاني والأكراد بوصفه حرب وكالة مُدارة**
**مقدمة: حين تعود حلب إلى واجهة الفوضى**
لم تكن الاشتباكات التي شهدتها مدينة حلب ومحيطها بين قوات **هيئة تحرير الشام (HTS)** بقيادة أبي محمد الجولاني، وفصائل كردية، حدثًا أمنيًا عابرًا أو اشتباكًا محليًا محدودًا. بل جاءت هذه المواجهات لتكشف، مرة أخرى، أن الحرب على سوريا لم تنتهِ، بل أعيدت صياغتها في شكل **صراعات مُدارة**، تُستخدم فيها الفواعل غير الدولتية كأدوات لإبقاء البلاد في حالة استنزاف دائم.
حلب، التي شكّلت نقطة التحول الكبرى في مسار الحرب السورية عام 2016، تعود اليوم كمساحة اختبار لإعادة خلط الأوراق: من يسيطر؟ ومن يُستنزف؟ ومن يُعاد تدويره سياسيًا وإعلاميًا؟
و قبل ان نبداء بالتحليل السياسي ، من المهم استعراض بعض ال**أرقام و**ال**حقائق المهمة عن التصعيد في حلب (يناير 2026)**
**1. عدد الضحايا البشرية** • بلغ عدد القتلى في الاشتباكات الناتجة عن العنف المتصاعد في حلب **ما بين 22 و24 قتيلًا** بحسب البيانات الأولية من مصادر مختلفة، بينهم مدنيون وعناصر قتال. • بالإضافة إلى ذلك هناك **عشرات الجرحى** تم نقلهم إلى المستشفيات، وقد ذكر الهلال الأحمر الكردي أن أكثر من **100 شخص أصيبوا بجروح متفاوتة** نتيجة الاشتباكات.
**2. النزوح والتشريد** • أدت القتال إلى **نزوح جماعي واسع النطاق** تفوق **140,000 شخص** من أحياء حلب التي شهدت اشتباكات كثيفة. • كما أفاد بعض المصادر بتهجير آلاف آخرين من الأحياء الكردية وخاصة في الشيخ مقصود وأشرفية.
**3. الاعتقالات والإجلاء** • تم **اعتقال أكثر من 300 مقاتل كردي** خلال تقدم القوات الحكومية في بعض الأحياء، وفق تصريحات رسمية. • تم إجلاء نحو **400 مقاتل كردي** من المدينة في إطار عملية خروج منظمة بعد تراجع الاشتباكات.
**4. الدمار المادي** • قدرت تقارير محلية أن **أكثر من 300 منزل** تعرض للدمار الكامل أو الجزئي في أحياء حلب التي شهدت قصفًا ومدفعية مكثفة. • البنية التحتية المدنية (مستشفيات، مدارس، منازل) في هذه الأحياء تكبدت أضرارًا واسعة نتيجة القصف العشوائي واستخدام الأسلحة الثقيلة.
**5. أطراف الصراع الفاعلة** • **هيئة تحرير الشام (HTS)** بقيادة أبي محمد الجولاني (جهة مسلحة رئيسية). • **قوات سوريا الديمقراطية (SDF)** بقيادة كردية بدعم أمريكي سابق. • **الجيش السوري والقوات الحكومية** التي دخلت لاحقًا لتحرير المناطق وإعادة السيطرة. • **قوات دعم خارجية** غير مباشرة (توتر تركي، تهديدات إسرائيلية، وساطة أمريكية).
**التحليل** :
**أولًا: الجولاني… من “إرهابي” إلى أداة وظيفية**
أبو محمد الجولاني ليس مجرد قائد ميليشيا إسلامية متشددة، بل هو نموذج صارخ لكيفية **إعادة تدوير الفاعلين المتطرفين** عندما تقتضي الضرورة الجيوسياسية ذلك. فالرجل الذي خرج من رحم تنظيم القاعدة، وقاد “جبهة النصرة” المصنّفة إرهابية دوليًا، جرى تقديمه تدريجيًا كـ“فاعل محلي” يمكن التعايش معه.
التحقيق في مسار الجولاني يُظهر ثلاث حقائق مركزية: 1. **لم يتغيّر الجوهر العقائدي** للتنظيم بقدر ما تغيّر الخطاب. 2. **التسامح الدولي الضمني** مع تمدد HTS في إدلب ومحيط حلب لم يكن صدفة، بل نتيجة توازنات تخدم إبقاء الشمال السوري خارج سيطرة الدولة. 3. الجولاني يؤدي وظيفة مزدوجة: **كبح الدولة السورية** من جهة، و**احتواء أو استنزاف الفصائل الأخرى** (بما فيها الكردية) من جهة ثانية.
بكلمات أخرى، الجولاني ليس “خارج السيطرة”، بل جزء من **معادلة السيطرة بالفوضى**.
**ثانيًا: الأكراد بين الوعد الأمريكي والخذلان المتكرر**
القوى الكردية، وخصوصًا تلك المرتبطة بـ**قوات سوريا الديمقراطية (قسد)**، تجد نفسها مجددًا في موقع بالغ الهشاشة. فمنذ بداية الأزمة السورية، جرى استخدام الورقة الكردية كأداة ضغط على دمشق، ثم كوسيلة لمحاصرة إيران، وأخيرًا كورقة تفاوض مع تركيا.
الاشتباكات مع قوات الجولاني تكشف: • أن الوجود الكردي في شمال سوريا **غير محمي استراتيجيًا**. • أن الدعم الأمريكي مشروط ومؤقت، ويتراجع كلما تغيّرت الأولويات. • أن الأكراد يُدفعون مرارًا إلى صراعات جانبية تستنزفهم وتُضعف قدرتهم على فرض تسوية سياسية عادلة.
في كل مرة، يُعاد إنتاج السيناريو ذاته: **دعم → استنزاف → تخلي**.
**ثالثًا: لماذا حلب تحديدًا؟**
حلب ليست مجرد مدينة كبرى؛ إنها **العقدة الاقتصادية والرمزية** لسوريا. السيطرة عليها أو زعزعة استقرارها تعني: • ضرب أي مسار جدي لإعادة الإعمار. • منع عودة سوريا كدولة متماسكة اقتصاديًا.
• إبقاء خطوط الإمداد بين دمشق والشمال تحت التهديد.
من هنا، فإن إعادة إشعال التوتر في حلب ليست صدفة، بل **رسالة سياسية وأمنية**: لا استقرار دون إذن خارجي.
**رابعًا: اللاعبون الخارجيون… من يدير الصراع؟**
**تركيا**
تلعب أنقرة دورًا محوريًا في شمال سوريا، فهي: • تغضّ الطرف عن تمدد HTS عندما يخدم مصالحها. • تستخدم الفصائل المسلحة كورقة ضغط ضد الأكراد وضد دمشق معًا. • تسعى لمنع أي كيان كردي مستقر على حدودها.
**الولايات المتحدة**
واشنطن تدير الصراع من الخلف: • تدعم قسد عسكريًا دون توفير مظلة سياسية حقيقية. • تستخدم وجودها العسكري لمنع 'الدولة السورية ' من استعادة سيادتها على كامل أراضيها. • تترك الساحة مفتوحة أمام تصادمات “مضبوطة” بين وكلائها وخصومهم.
**إسرائيل**
تل أبيب المستفيد الصامت: • أي استنزاف لسوريا يصب مباشرة في مصلحتها. • استمرار الفوضى يمنع تشكل بيئة آمنة لمحور المقاومة. • اي ضربات الجوية الإسرائيلية تأتي في السياق ذاته: **منع التعافي الاستراتيجي**.
**خامسًا: منظور محور المقاومة**
من زاوية محور المقاومة، فإن ما يجري في حلب ليس صراعًا بين “إسلاميين” و”أكراد”، بل **حلقة جديدة في مشروع تفكيك الدولة السورية**. هذا المحور يرى أن: • السيادة لا تتجزأ. • الميليشيات، مهما تغيّر خطابها، تبقى أدوات. • أي حل حقيقي يمر عبر استعادة الدولة السورية لقرارها وحدودها الاصلية بعيدا عن سيطرة عصابات الجولاني .
**سادسًا: الإعلام… تبييض الجولاني وتغييب السياق**
تلعب وسائل الإعلام الغربية والخليجية دورًا حاسمًا في: • إعادة تقديم الجولاني كشريك محتمل. • تجاهل سجله الدموي. • تسليط الضوء الانتقائي على معاناة الأكراد عندما تخدم السردية السياسية، وتجاهلها حين تتعارض معها.
هذا **حرب نفسية وإعلامية** لا تقل خطورة عن المعارك الميدانية.
**ما الذي لا يُقال عن معركة حلب؟**
رغم وفرة التغطيات الإعلامية حول الاشتباكات بين قوات الجولاني والفصائل الكردية في حلب، يبقى جوهر ما جرى محاطًا بصمت لافت يثير أسئلة أكثر مما يقدّم إجابات.
فطريقة تمدد هيئة تحرير الشام، وتوقيت الاشتباكات، وغياب أي ردع فعلي لتحركاتها، توحي بأن ما حدث لم يكن انفلاتًا أمنيًا مفاجئًا، بل تصعيدًا جرى السماح له بالحدوث ضمن هوامش محسوبة.
كما يبرز مجددًا موقع القوى الكردية كطرف يُستدرج إلى مواجهات غير متكافئة، غالبًا بناءً على تطمينات خارجية سرعان ما تتبخر، ما يعكس نمطًا متكررًا من الاستخدام الوظيفي ثم التخلي. وفي الخلفية، يظل السؤال قائمًا حول أدوار الاستخبارات الإقليمية والدولية، التي يبدو حضورها أقرب إلى المراقبة المتعمّدة منه إلى المنع أو الاحتواء.
أما على مستوى التمويل والتسليح، فإن استمرار قدرة الجماعات المسلحة على التحرك والقتال يطرح علامات استفهام جدية حول شبكات الدعم التي لا تزال تعمل رغم الرقابة الدولية المعلنة. والأهم من ذلك كله هو التوقيت السياسي للتصعيد، الذي يوحي بأن حلب تُستَخدم مجددًا كورقة تعطيل استراتيجي، كلما اقترب الحديث عن استقرار، أو إعادة إعمار، أو استعادة فعلية لسيادة الدولة السورية.
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة ما جرى في حلب كصراع محلي بين أطراف متناحرة، بل كحلقة جديدة في إدارة الفوضى، حيث تُستنزف القوى المحلية، وتُجمَّد الدولة، وتبقى سوريا رهينة معادلات خارجية تتغيّر أدواتها ولا يتغيّر هدفها.
**خاتمة: إلى أين تتجه حلب؟**
الاشتباكات الأخيرة تنذر بأن حلب قد تتحول مجددًا إلى **ساحة استنزاف طويلة الأمد**، ما لم يُكسر منطق الحروب المُدارة. فالمعادلة واضحة: